الثالثة قوله تعالى: {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} هذا حكم من لا تؤخذ منهم الجِزية، وهو معطوف على"تُقَاتِلُونَهُمْ"أي يكون أحد الأمرين: إما المقاتلة وإما الإسلام، لا ثالث لهما.
وفي حرف أُبَيّ"أَوْ يُسْلِمُوا"بمعنى حتى يُسْلِمُوا، كما تقول: كُلْ أو تشبع، أي حتى تشبع.
قال:
فقلت له لا تَبْكِ عَيْنُك إنما ...
نحاوِل مُلْكاً أو نموت فنُعذَرا
وقال الزجاج: قال"أَوْ يُسْلِمُونَ"لأن المعنى أو هم يسلِمون من غير قتال.
وهذا في قتال المشركين لا في أهل الكتاب.
الرابعة قوله تعالى: {فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ الله أَجْراً حَسَناً} الغنيمة والنصر في الدنيا، والجنة في الآخرة.
{وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ} عام الحُدَيْبِيَة.
{يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} وهو عذاب النار.
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ
قال ابن عباس لما نزلت: {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} قال أهل الزَّمانة: كيف بنا يا رسول اللّه؟ فنزلت: {لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ} أي لا إثم عليهم فِي التخلف عن الجهاد لعماهم وزمانتهم وضعفهم.
وقد مضى فِي"براءة"وغيرها الكلام فيه مُبَّيناً.
والَعَرج: آفة تعرض لرِجْل واحدة، وإذا كان ذلك مؤثّراً فخلل الرّجْلين أولى أن يؤثر.
وقال مقاتل: هم أهل الزمانة الذين تخلفوا عن الحديبية وقد عذرهم.
أي من شاء أن يسير منهم معكم إلي خّيْبَرَ فليفعل {وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ} فيما أمره.
{يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار} قرأ نافع وابن عامر"نُدخْلهُ"بالنون على التعظيم.
الباقون بالياء، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لتقدّم اسم اللّه أوّلا.
{وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً} . انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 16 صـ}