وقوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ..} [الفتح: 11] أي في قولهم: {فَاسْتَغْفِرْ لَنَا ..} [الفتح: 11] فهذه الكلمة باللسان فقط، فهم لا تهمهم المغفرة ولا يفكرون فيها.
ثم يُبيِّن لهم الحق سبحانه حقيقة الأمر: {قُلْ ..} [الفتح: 11] يعني: قُلْ لهم يا محمد {فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً ..} [الفتح: 11] .
هذا استفهام للتعجب أو للتوبيخ يقول لهم: مَنْ يردُّ عنكم قضاء الله ومَنْ يدفع عنكم الضر إنْ أصابكم في أموالكم أو في أهليكم، من؟ لا أحد.
كذلك لا أحد يمنع عنكم النفع إنْ أراده الله لكم، إذن: هذه حجة باطلة لا تُجدي، وكذب لا فائدة منه {بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} [الفتح: 11] يعني: لا يَخْفى عليه من أموركم شيء.
ثم يُؤدبهم بأنْ يكشف عن الكلام الذي أسرُّوه بعضهم إلى بعض فيقول: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ..} [الفتح: 12] أي: يرجع {الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً ..} [الفتح: 12] ويُؤكدون ظنهم لاقتناعهم به {وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ ..} [الفتح: 12] أي: زيّنه بعضكم لبعض، أو لقي استحساناً منكم.
{وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ ..} [الفتح: 12] أي: الظن الفاسد والمراد به أن رسول الله لن يعود إلى أهله ولا المؤمنون معه، وهذا يعني النهاية لمسيرة الدعوة.
{وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً ..} [الفتح: 12] يعني: مثل الأرض البور التي لا خَيْرَ فيها، فأنتم مثل هذه الأرض أهل فساد لا خيرَ فيكم.
{وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً}
الكلام هنا فيه إشارة مفهومة تعني هؤلاء المخلَّفين، وقوله {أَعْتَدْنَا ..} [الفتح: 13] أي: أعددناها بالفعل فهي موجودة، فالسعير لا تُعدُّ لهم بعد حضورهم إليها، إنما هي مُعدَّة لهم من الآن تنتظرهم وتتشوق إليهم.
وسبق أنْ أوضحنا أن الحق سبحانه أعدَّ الجنة بحيث تكفي جميع الخَلْق على اعتبار أنهم جميعاً مؤمنون، كذلك أعدَّ النار بحيث تكفي جميع الخَلْقْ لو كفروا.