ويدل عليه قول يعقوب عليه السلام: {يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [سورة يوسف: 5] .
فذنب الشيطان النزغ بينهم، وذنبهم قبول نزغه وكيدهم لأخيهم، فلم يذكر يوسف لأبيه بحضرة إخوته حين وقع الصفاء بينهم ذنبهم، وإنما ذكر نزغ الشيطان بينهم وسكت عما صدر من إخوته في حقه؛ تكرمًا منه؛ لأن ذكر الجفاء في وقت الصفاء عين الجفاء.
التَّنْبِيْهُ الثَّانِي: روى عبد الله ابن الإمام أحمد في"زوائد الزهد"
عن عون رحمه الله تعالى قال: ما اجتمع رجلان فتفرقا حتى يعقد الشيطان في قلب كل واحد عقدة؛ فإن لقي أخاه فسلم عليه انحلت العقدة، وإلا كانت كما هي.
قلت: مثل ذلك لا يقال من قبل الرأي، فهو محمول على أن عونًا بلغه ذلك عن نبينا - صلى الله عليه وسلم - أو عن غيره من الأنبياء عليهم السلام.
ثم العقدة عبارة عما يقع في قلب أحدهما من نظره فيما يبدو من حال الآخر، فإن كلًّا منهما يرى الآخر إما فوقه فيحسده، أو دونه فيحتقره ويرى نفسه فوقه، ويراه إما في طاعة وخير فينقبض ويتمنى أن لو كان أخلَّ بشيء من كمالها أو أدبها، وإما في معصية وشر فينسرَّ لذلك لما يراه من كمال نفسه بالنسبة إلى نقص الآخر.
ولو كان أحدهما حسن الاعتقاد في الآخر فقد يغلو في اعتقاده وينزله فوق منزلته، وقد يعتقد من هو فوقه] دونه، ولو فرض أنه سلم من ذلك لم يسلم من التصنع له ومراءاته.
ومن ثم كان يرى بعضهم العزلة حتى عن الأخيار.
وهذه العقدة يتولد منها خواطر السوء والغيبة وغيرها من الأمور التي هي غير مرضية، فإذا لقي أحدهما صاحبه فسلم عليه انحلت تلك العقدة، وذهبت تلك الخواطر وتلاشت الغيبة وما تولد منها، وتحقق
كل منهما بحال الآخر، فذهب اعتقاد السوء، وسلم كل واحد من الإطراء على الآخر، ومن هنا شرع السلام عند اللقاء، والمصافحة، والسؤال عن حال الإخوان؛ فافهم!
72 -ومنها: اعتياد الشر والأذى.