فلا ينبغي للإنسان أن يتعود أذية الناس حتى يخافوا من شره، ويتوقوا أذيته كما يتوقون من أذية الشيطان ويتعوذون منه، وقد أمر الله تعالى بالتعوذ من شيطان الإنس، وهو المتشبه بالشيطان في الشره والتمرد، فقال الله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} [سورة الناس: 1] إلى آخر السورة.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب"ذم الغيبة"عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"شَرُّ النَّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يُخَافُ إِسَاءَتُه، أَوْ يُخَافُ شَرُّهُ".
وروى أبو يعلى عنه، والإمام أحمد، والترمذي عن أبي هريرة
قالا رضي الله تعالى عنهما: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"خَيْرُكُمْ مَن يُرْجَى خَيْرُهُ وُيؤْمَنُ شَرُّهُ، وَشَرُّكُم مَنْ لا يُرْجَى خَيْرُهُ وَلا يُؤْمَنُ شَرُّهُ" (1) .
73 -ومنها: التشاتم والتساب.
روى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن عياض بن حمار رضي الله تعالى عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"الْمُسْتَبَّانِ شَيْطانانِ يَتَهاتَرانِ وَيَتَكاذَبانِ".
وإنما سميا شيطانين لتشبههما بالشيطان في السب والهتر، وهو تمزيق العرض والوقوع فيه، فإذا سكت أحدهما عن ذلك لم يكن شيطانًا.
وقد قلت: من السريع
يا أَيُّها السَّبَّابُ ما أَنْتَ فِي ... سَبِّكَ لِلْمُسْلِمِ إِنْسانُ
بَلْ أَنْتَ شَيْطانٌ وَإِنْ زادَ فِي ... جَوابِكَ المسَّبُّ فَشَيْطانُ
* فائِدَةٌ:
روى البيهقي في"الشعب"عن أبي عمرو بن العلاء رحمه الله
تعالى قال: ما تشاتم رجلان قط إلا غلب ألأمهما.
74 -ومنها: عدم المبالاة بما قال، وما قيل له.
روى الخلال عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه قال: كان يقال: من لم يبال ما قال وما قيل له فهو ولد شيطان.
بل روى الطبراني في"الكبير"عن عبد الله بن عمرو بن شويفع، عن أبيه، عن جده شويفع رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ لَمْ يَسْتَحْيِ مِمَّا قالَ أَو قِيْلَ فَهُوَ لِغَيْرِ رشدة، حَمَلَت بِهِ أُمُّهُ عَلى غَيْرِ طُهْرٍ".
قلت: ومن هنا ذهب الحياء من الناس إلا قليلًا نادرًا لكثرة