ولا يخفى ما في ذلك من التلميح بقوله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا} [سورة البقرة: 268] .
قال ابن عباس - رضي الله عنه: اثنتان من الله تعالى، واثنتان من الشيطان؛ {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} [سورة البقرة: 268] ؛ يقول: لا تنفق مالك
وأمسكه عليك؛ فإنك تحتاج إليه، {وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ} على هذه المعاصي {وَفَضْلًا} في الرزق. رواه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
ومعنى يعدكم الفقر: يخوفكم بالفقر لئلا تنفقوا في وجوه الخير، فيلقي إلى الإنسان أنك إذا أكثرت من الصدقة وتوسعت في النفقة يقل ما بيدك، وتحتاج إلى أموال الناس فتسألهم منها، فيمنعونك ويعيرونك بفقرك.
ومن هذا القبيل قولهم: خلف لعدوك، ولا تحتج لصديقك.
والله - سبحانه وتعالى - قد أمرنا بالإنفاق ووعدنا بالخلف، فقال: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سورة سبأ: 39] .
وقال بعض العارفين: من كان في الله تلفُه، كان على الله خَلَفُه.
وفي التوراة: عبدي أنفق من رزقي أبسطْ عليك فضلي، وإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة.
بل في"الصحيحين"عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"قالَ اللهُ تَعالَى: عَبْدِي! أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ".
وروى الطبراني عن ابن مسعود، والبزار عن أبي هريرة، وعن بلال رضي الله تعالى عنهم: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال رضي الله تعالى عنه:"أَنْفِقْ يا بِلالُ، وَلا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلالا".
والأمر بالإنفاق والإطماع في فضل الله تعالى خُلُقٌ من أخلاق الله تعالى، وأخلاق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
والأمر بالإمساك وعدم الإنفاق خشية الفقر والإملاق خُلُقٌ من أخلاق الشياطين والفساق.