وفي قوله:"لَوْ قَتَلْتَهُ مَا اخْتَلَفَ اثْنَان بَعْدِيْ مِنْ أُمَّتِيْ"الظاهر أنه لو قتله لتسامع الناس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتل رجلًا يجاهد ويصلي ليس إلا لكونه أظهر تزكية نفسه، ودعوى أنها خير من الناس، فلا يزكي أحد بعده نفسه، ولا يعجب برأيه، فيتوافق كل الناس على ذلك، فلا يختلفون، فلا يهلكون بسبب ذلك.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -."ثَلاثٌ مُهْلِكَاتٌ: هَوًى مُتَّبَعٌ، وَشُحٌّ مُطَاعٌ، وإعْجَابُ كُلِّ ذِيْ رَأْيٍ بِرَأْيهِ". رواه الطبراني في"الأوسط"عن أنس، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم.
* تنبِيْهٌ:
اصطلح الصوفية على التحذير من الأنانية؛ أي: من قول العبد: أنا فعلت، أو: أنا أعلم، أو: أنا أكرم من فلان، ونحو ذلك مبالغة منهم في التحذير من رؤية النفس وإثبات ملكيتها.
فأمَّا إذا قال المرء: {أنا} لمن قال له: أتعلم مسألة كذا؟ أو:
اشهد بكذا، فقال: أنا أعلم، أو: أشهد، ونحو ذلك، فليس من هذا.
وفي"سنن أبي داود"عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كانَ إِذَا سَمعَ الْمُؤَذِّنَ يَتَشَهَّدُ قَالَ:"وَأَنَا، وَأَنَا".
وما أحسن هذه الأنانية المفصحة عن حقيقة العبودية!
أين هذا من أنانية الرجيم المشعرة بمنازعة الربوبية؟
وبالجملة: تتحد الألفاظ، وإنما يفرق بينها إرادة القلوب.
18 -ومن أخلاق اللعين: دعاء الغير إلى تزكية النفس، ورؤيتها، والإعجاب بها.
روى ابن أبي شيبة عن أبي عبيدة رضي الله تعالى عنه: أنه أَمَّ قوماً مرة، فلما انصرف قال: ما زال علي الشيطان آنفاً حتى رأيت أن الفضل لي على من خلفي؛ لا أَؤم أبدًا.
19 -ومنها - وهو من جنس ما تقدم: دعوى الأحوال الشريفة والمقامات العالية، وهو على خلافها.
ومن هذا القبيل: قول الشيطان كما حكاه الله تعالى عنه بقوله: {فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [سورة الحشر: 16] .