32 -وهذا اعتراض منهم على الله، الذي أنزل القرآن على رسوله، فأنكر الله سبحانه عليهم ذلك، وجهلهم، وعجب من حالهم بقوله: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} استفهام إنكار، وتجهيل لهم، وتعجب من تحكمهم، والمراد بالرحمة: النبوة، أو ما هو أعم، يعني: أبيدهم مفاتيح الرسالة والنبوة، فيضعونها حيث شاؤوا.
ثم بين سبحانه: أنه هو الذي قسم بينهم ما يعيشون به من أمور الدنيا، فقال: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ} ؛ أي: بين أهل الأرض {مَعِيشَتَهُمْ} ؛ أي: أسباب معيشتهم، والمعيشة: ما يعيش به الإنسان ويتغذى به، ويجعله سببًا في قوام بنيته، إذ العيش الحياة المختصة بالحيوان، وهو يعم الحلال والحرام عند أهل السنّة {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} قسمةً تقتضيها مشيئتنا، المبنية على الحكم والمصالح، ولم نفوض أمرنا إليهم، علمًا منا بعجزهم عن تدبيرها بالكلية، كما دل عليه تقديم المسند إليه، وهو نحن، إذ هو للاختصاص.
والحاصل: نحن قسمنا أرزاقهم فيما بينهم، وهو أدنى من الرسالة، فلم نترك اختيارها إليهم وإلا لضاعوا وهلكوا فما ظنهم في أمر الدين؛ أي: فكيف نفوض اختيار ما هو أفضل وأعظم، وهو الرسالة، وليس لأحد من العباد أن يتحكم في شيء، بل الحكم لله وحده؟ وإذا كان الله سبحانه، هو الذي قسم بينهم أرزاقهم، ورفع درجات بعضهم على بعض، فكيف لا يقنعون بقسمته في أمر الرسالة وتفويضها إلى من يشاء من خلقه؟
قال مقاتل: يقول تعالى: أبأيديهم مفاتيح الرسالة فيضعونها حيث شاؤوا! وفي قوله: {قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ} تزهيد في الإكباب على طلب الدنيا، وحث على التوكل على الله تعالى. وقرأ الجمهور: {مَعِيشَتَهُمْ} بالإفراد، وعبد الله والأعمش وابن عباس ومجاهد وابن محيصن وسفيان {معائشهم} على الجمع.