29 -ثم ذكر سبحانه نعمته على قريش، ومن وافقهم من الكفار المعاصرين لهم، فقال: {بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ} إضراب عن محذوف؛ أي: فلم يحصل ما رجاه، بل متعت وأنعمت منهم هؤلاء المعاصرين لمحمد - صلى الله عليه وسلم - من أهل مكة {وَآبَاءَهُمْ} بالمد في العمر والبسط في النعمة، فاغتروا بالمهلة وانهمكوا في الشهوات، وشغلوا بها عن كلمة التوحيد {حَتَّى جَاءَهُمُ} ؛ أي: جاء هؤلاء المعاصرين لمحمد - صلى الله عليه وسلم - {الْحَقُّ} أي: القرآن {وَرَسُولٌ مُبِينٌ} ، محمد - صلى الله عليه وسلم - ظاهر الرسالة واضحها بالمعجزات الباهرة، أو مبين التوحيد بالآيات البينات والحجج الواضحات، أو مبين لهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين، فلم يجيبوه ولم يعملوا بما أنزل عليه، فحتى ليست غاية للتمتع، بل لما تسبب عنه من الاغترار المذكور وما يليه.
والمعنى: أي بل متعت هؤلاء المشركين، من أهل مكة وآباءهم من ذرية إبراهيم بطول العمر، والسعة في الرزق، وأنعمت عليهم في كفرهم فاغتروا بالمهلة، وأكبوا على الشهوات وطاعة الشيطان، وشغلوا بالتنعم عن كلمة التوحيد، إلى أن جاءهم الحق وهو القرآن العظيم، والرسول المبين، الذي أوضح مبدأ التوحيد بالبراهين الساطعة، وشرع الله وأحكامه بالأدلة القاطعة، وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - .
وقرأ الجمهور: {بَلْ مَتَّعْتُ} بتاء المتكلم، وقرأ قتادة والأعمش: {بل متعت} بتاء الخطاب، ورواها يعقوب عن نافع، قال صاحب"اللوامح": وهي من مناجاة إبراهيم عليه السلام ربه تعالى، والظاهر: أنه من مناجاة محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ أي: قال: يا رب بل متعت، وقرأ الأعمش: {بل متعنا} بنون العظمة، وهي تعضد قراءة الجمهور، قال الزمخشري:
فَإِنْ قُلْتَ: فما وجه من قرأ: {بل متعت} بفتح التاء؟