وأطنب في وصف تناقض عقائدهم لعلهم يستيقظون من غشاوتهم ، وفي تنبيههم إلى دلائل حقّيّة ما يدعوهم إليه الرّسول صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن ، وفُضحت شبهاتهم بأنهم لا تعويل لهم إلا على ما كان عليه آباؤهم الأولون الضالّون ، وأنذروا باقتراب انتهاء تمتيعهم وإمهالهم ، وتقضى ذلك بمزيد البيان ، وأفضى الكلام إلى ما قالوه في القرآن ومن جاء به بقوله: {ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر إلى قوله عظيم} [الزخرف: 30 ، 31] ، وما ألحق به من التكملات ، عاد الكلام هنا إلى عواقب صرفهم عقولهم عن التدبر في الدعوة القرآنية فكان انصرافهم سبباً لأن يسخر الله شياطين لهم تلازمهم فلا تزال تصرفهم عن النظر في الحق وأدلة الرشد.
وهو تسخير اقتضاه نظام تولد الفروع من أصولها ، فلا يتعجب من عمى بصائرهم عن إدراك الحق البيّن ، وهذا من سنة الوجود في تولد الأشياء من عناصرها فالضلال ينمى ويتولد في النفوس ويتمكن منها مرة بعد مرة حتى يصير طبْعاً على القلب وأكنَّة فيه وختماً عليه ولا يضعُف عمل الشيطان إلا بتكرر الدعوة إلى الحق وبالزجر والإنذار ، فمن زناد التذكير تنقدح شرارات نور فربّما أضاءت فصادفت قوةُ نور الحق حالةَ وهَن الشيطان فتتغلب القوة المَلكية على القوة الشيطانية فيفيق صاحبها من نومة ضلاله.
وقد أشار إلى ذلك قوله: {أفنضرب عنكم الذكر صفحاً إن كنتم قوماً مسرفين} [الزخرف: 5] كما تقدم هنالك ، ولولا ذلك لَمَا ارعوى ضالّ عن ضلاله ولمَا نفع إرشاد المرشدين في نفوس المخاطبين.
فجملة {ومن يعش عن ذكر الرحمن} عطف على جملة {ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحرٌ} [الزخرف: 30] الآية.
فجملة {ومن يعش عن ذكر الرحمن} تمثيل لحالهم في إظهارهم عدم فهم القرآن كقولهم: {قلوبنا في أكِنَّةٍ مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقرٌ} [فصلت: 5] بحال من يَعشو عن الشيء الظاهر للبصر.