ثم أخبر تعالى عنهم على جهة التقريع بأنهم {قالوا} للقرآن: {هذا سحر} وأنهم كفروا به ، وإنما جعلوه بزعمهم سحراً من حيث كان عندهم يفرق بين المرء وولده وزوجه ، فجعلوه لذلك كالسحر ، ولم ينظروا إلى الفرق في أن المفارق بالقرآن يفارق عن بصيرة في الدين ، والمفارق بالسحر يفارق عن خلل في ذهنه.
وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31)
الضمير في {قالوا} لقريش ، وذلك أنهم استبعدوا أولاً أن يرسل الله بشراً ، فلما تقرر أمر موسى وعيسى وإبراهيم ولم يكن لهم في ذلك مدفع ، رجعوا يناقضون فيما يخض محمداً عليه السلام بعينه ، فقالوا: لم كان محمد ولم يكن نزول الشرع {على رجل} من إحدى الفرقتين {عظيم} ، وقدر المبرد قولهم على رجل من رجلين من القريتين ، والقريتان: مكة والطائف ، ورجل مكة الذي أشاروا إليه: قال ابن عباس وقتادة هو: الوليد بن المغيرة المخزومي. وقال مجاهد هو: عتبة بن ربيعة. وقال قتادة: بلغنا أنه لم يبق فخذ من قريش إلا ادعاه. ورجل الطائف قال قتادة هو: عروة بن مسعود. وقال ابن عباس: حبيب بن عبد بن عمير. وقال مجاهد: كنانة بن عبد ياليل.
قال القاضي أبو محمد: وإنما قصدوا إلى من عظم ذكره بالسن والقدم ، وإلا فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان حينئذ أعظم من هؤلاء ، لكن لما عظم أولئك قبل مدة النبي وفي صباه استمر ذلك لهم.
ثم وقف على جهة التوبيخ لهم بقوله: {أهم يقسمون رحمة ربك} المعنى على اختيارهم وإرادتهم تنقسم الفضائل والمكانة عند الله. والرحمة: اسم يعم جميع هذا. ثم أخبر تعالى خبراً جازماً بأنه قاسم المعايش والدرجات في الدنيا ليسخر بعض الناس بعضاً ، المعنى فإذا كان اهتمامنا بهم أن نقسم هذا الحقير الفاني ، فأحرى أن نقسم الأهم الخطير.