يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ أَحَدُ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ لِصَاحِبِهِ الْآخَرِ: وَدِدْتُ أَنَّ بَيْنِيَ وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ: أَيْ بُعْدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، فَغَلَّبَ اسْمَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، كَمَا قِيلَ: شِبْهُ الْقَمَرَيْنِ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
أَخَذْنَا بِآفَاقِ السَّمَاءِ عَلَيْكُمْ ... لَنَا قَمَرَاهَا وَالنُّجُومُ الطَّوَالِعُ
وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ:
فَبَصْرَةُ الْأَزْدِ مِنَّا وَالْعِرَاقُ لَنَا ... وَالْمَوْصِلَانِ وَمِنَّا مِصْرُ وَالْحَرَمُ
يَعْنِي: الْمَوْصِلَ وَالْجَزِيرَةَ، فَقَالَ: الْمَوْصِلَانِ، فَغَلَّبَ الْمَوْصِلَ
وَقَدْ قِيلَ: عَنَى بِقَوْلِهِ {بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ} مَشْرِقَ الشِّتَاءِ، وَمَشْرِقَ الصَّيْفِ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ فِي الشِّتَاءِ مِنْ مَشْرِقٍ، وَفِي الصَّيْفِ مِنْ مَشْرِقٍ غَيْرِهِ؛ وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ تَغْرُبُ فِي مَغْرِبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} وَذُكِرَ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ عِنْدَ لُزُومِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ حَتَّى يُورِدَهُ جَهَنَّمَ.
عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ قَالَ:"بَلَغَنِي أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قَبْرِهِ، سَفَعَ بِيَدِهِ الشَّيْطَانَ، فَلَمْ يُفَارِقْهُ حَتَّى يُصَيِّرَهُمَا اللَّهُ إِلَى النَّارِ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ، فَبِئْسَ الْقَرِينُ."
وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُوَكَّلُ بِهِ مَلَكٌ فَهُوَ مَعَهُ حَتَّى قَالَ: إِمَّا يُفْصَلُ بَيْنَ النَّاسِ، أَوْ نَصِيرُ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ"."
وَقَوْلُهُ: {وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ} أَيُّهَا الْعَاشُونَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا {إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ}
يَقُولُ: لَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمُ الْيَوْمَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ اشْتِرَاكُكُمْ فِيهِ، لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ نَصِيبَهُ مِنْهُ، وَ «أَنَّ» مِنْ قَوْلِهِ {أَنَّكُمْ} فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ لِمَا ذَكَرْتُ أَنَّ مَعْنَاهُ: لَنْ يَنْفَعَكُمُ اشْتِرَاكُكُمْ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 20/}