يجرّ أذياله والموج يلطمه ... وعقله بين عينه كلكل السَّمكة
حتَّى إذا راح مسروراً بها فرحاً ... والحوت قد شكّ سفُّود الرَّدى حنكة
أتى إليك به رزقاً بلا تعبٍ ... فصرت تملك منه مثل ما ملكه
لطفاً من الله يعطي ذا بحيلته ... هذا يصيد وهذا يأكل السَّمكة
وقال أبو العتاهية:
طال همِّي بغير ما يعنيني ... وطلابي فوق الَّذي يكفيني
ولو أني كففت لم أبغ رزقي ... كان رزقي هو الذي يبغيني
أحمد الله ذا المعارج شكراً ... ما عليها إلاَّ ضعيف اليقين
وقال آخر:
لعمرك ما كلُّ التعطُّل ضائرٌ ... ولا كل شغلٍ فيه للمرء منفعه
إذا كانت الأرزاق في القرب والنَّوى ... عليك سواءٌ فاغتنم لذَّة الدَّعه
وإن ضقت فاصبر يكشف الله ما ترى ... فياربَّ ضيقٍ في جوانبه سعه
وقال آخر:
هوِّن عليك فإن الأمر مقدور ... وكلّ شيءٍ من الأشياء مسطور
والرِّزق والخلق والآجال قد قسمت ... وأحكمتها وزمَّتها المقادير
فليس يقدر مرءٌ صرف واحدةٍ ... منها ولو كثرت منه التَّدابير
كم من رأيناه ذا مالٍ وذا سعةٍ ... وذا غضارة عيشٍ وهو محبور
لا يعرف الله جهلاً خاطئاً حمقاً ... لولا غناه لعافته الخنازير
لم يركب الهول في قفرٍ ولا لججٍ ... ولا تكلَّف أمراً فيه تغيير
لكن أتاه الغنى حتَّى أناخ به ... وما تقدَّم منه فيه تفكير
وآخرٌ رجلٌ ناهيك من رجلٍ ... علاَّمةٌ بأمور النَّاس تحرير
قد جال في الأرض حتَّى لم يدع أفقاً ... شرقاً وغرباً وما في ذاك تقصر
وقد تكمَّلت الآداب واجتمعت ... فيه العلوم وما تحوي القماطير
ولم تفته من الأشياء واحدةٌ ... يحظى بها رجلٌ إلاَّ الدَّنانير
كان يقال: إذا لم يرزق الإنسان ببلدة فليتحوَّل إلى أخرى.
قال ابن القاسم: سمعت مالكاً: يقول بلغني أنَّ عمر بن الخطاب قال: من كان له رزقٌ في شيء فليلزمه.
قال وقال مالك: سمعت أهل مكَّة يقولون: ما من أهل بيت فيهم اسم محمَّدٍ إلا رزقوا ورزق خيراً.
قال العكّي:
يا ربّ فتيانٍ ذوي غربةٍ ... أبناء أسفارٍ مقلِّينا
ما أدركوا في طول تطوافهم ... خفضاً من العيش ولا لينا
وسهَّل الله بتوفيقه ... ما أمَّلوه للمقيمينا
وإذا الأرزاق مقسومةٌ ... يقسمها الله فيعطينا
ولسهل الورَّاق:
أرى اثنين في الدنيا وشتَّان ما هما ... وما منهما إلاَّ عجيبٌ شؤونه
أخو حركاتٍ في المكاسب معدمٍ ... على أنَّه فيها قليلٌ سكونه
وآخر مثرٍ ذو سكونٍ كأنَّما ... على رزقه ذاك السُّكون يعينه