ألا ربَّما يأسى اللبيب لما يرى ... ويكمد حتَّى تستهلّ جفونه
كريمٌ جفاه دهره فهو ضائعٌ ... ولا ريب إلاَّ أنَّ دهراً يخونه
ووغدٌ لئيم الطَّبع تحوي يمينه ... مكاسب ما خفت بهنَّ يمينه
فذاك على إقتاره ذو تجمّل ... وذا مقرفٌ جعد البنان ضنينه
إذا غاص في ذا مفكرٌ طاش عقله ... ولم يدر ما أسبابه وفنونه
جدودٌ وفيها للمفكر عبرةٌ ... طويلٌ بها وسواسه وشجونه
ولولا اعتصام المرء بالعلم إنه ... نجاةٌ لأهليه لساءت ظنونه
وما كان ربِّي عزَّ ربَّي بجائرٍ ... ولكنَّه علم عجيبٌ يصونه
شهدت بأن الله عدلٌ قضاؤه ... وإني بدين الموقنين أدنيه
وقال آخر:
وقد يحرم الله الفتى وهو عاقلٌ ... ويعطي الفتى مالاً وليس بذي عقل
وذلك عدلٌ من حكومة ربِّنا ... يجود ويعطي وهو ذو النائل الجزل
وقال آخر:
لا تعذلي لم أقصِّر ويك في الطّلب ... أيّ البلاد وأيّ الأرض لم أجب
هذا وفيّ خلالٌ كلُّها سببٌ ... إلى الغنى غير أن الرِّزق لم يجب
والله أحمد في رزقي فما صرفت ... عنِّي المكاسب إلاَّ حرفة الأدب
وقال الوليد بن عبيد البحتريّ:
وآيسني علمي بألاّ تقدُّمي ... مفيدي ولا مزرٍ عليَّ تأخُّري
ولو فاتني المقدور مما أرومه ... بسعيٍ لأدركت الذي لم يقدَّر
انتهى انتهى {بهجة المجالس وأنس المجالس، لابن عبد البر} ...