ثم قوله - تعالى -: (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) . يحتمل: إنما سماهم كذلك لما قالت المعتزلة: إنهم ادعوا وأخبروا أن الكفر بمشيئة اللَّه - تعالى - وأنه شاء منهم الكفر دون الإيمان، فاللَّه - تعالى - شاء منهم الإيمان دون الكفر، فقد أخبروا على خلاف المخبر به؛ فيكونون كاذبين.
ويحتمل أنهم قالوا ذلك وفي قلوبهم بخلاف ما أخبروا، وهو أن الكفر ليس مما شاء اللَّه - تعالى - وإنما شاء الإيمان كما تقوله المعتزلة، ولكن يقولون ذلك ردًّا على المسلمين الذين يدعونهم إلى الإيمان والرجوع عن الكفر: إنه إذا كإن شاء منا الكفر دون الإيمان كيف نؤمن ونترك الكفر؟ والإخبار عما هو به وإن كان صدقًا، ولكن إذا كان في قلب المخبر واعتقاده خلاف ذلك فيكون ذلك الإخبار في نفسه صدقًا، لكن من حيث إنه إخبار عما في الضمير يكون كذبًا، وهذا كقول اللَّه - تعالى -: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) ، وهم في قولهم: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) صدقة، لكن في إخبارهم عما في ضميرهم كذبة؛ لما لا يوافق ظاهر كلامهم حقيقة ما في قلوبهم، فيرجع تكذيب اللَّه - تعالى - إياهم لكذب قلوبهم، وإن كانوا في نفس قولهم: (إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) صدقة، وإذا
احتمل الوجهين فلا تكون الآية حجة لهم مع الاحتمال، وعلى الوجهين جميعًا يكونون كاذبين؛ لذلك قال: (إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) ، واللَّه أعلم.