فكلمة {آبَائِكَ} [البقرة: 133] جمع يشمل إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وإذا اجتمع جمع في حكم جمع تكون القسمة مفردة، فتأخذ أب هو إبراهيم، وأب هو إسماعيل، وأب هو إسحاق، فهؤلاء الثلاثة آباء ليعقوب، وإسماعيل أخو إسحاق، وإنْ كان إسماعيل هو الأب إذن إسحاق ليس أباً، بل هو عَمّ. إذن: سُمِّيَ العَمُّ أباً.
لذلك الحق سبحانه في أول آية تتكلم عن سيدنا إبراهيم ذكر {لأَبِيهِ آزَرَ} [الأنعام: 74] ليُبيِّن أن آزر الذي جادله إبراهيم وناقشه في مسألة التوحيد ليس أبا إبراهيم الحقيقي، إنما هو عمه.
ونجد دليلاً على ذلك من سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال في الحديث عن أصله صلى الله عليه وسلم:"ما زلتُ أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات، فأنا خِيارٌ من خيار".
وسلسلة النسب النبوي تصل إلى أبيه إبراهيم، فلا يصح إذن أنْ يكون أبو إبراهيم كافراً عابداً للأصنام.
وقوله: {إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ} [الزخرف: 26] براء بمعنى بريء، والفرق بينهما أن براء تُقَال للمفرد وللمثنى وللجمع، وللمذكر والمؤنث، أما بريء فتُثنَّى وتُجمع، وتُذكَّر وتُؤنَّث، وفي موضع آخر وصفهم بالعدو:
{فَإِنَّهُمْ} [الشعراء: 77] أي: الأصنام
{عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 77] فما دام في المسألة شِرْك أو كفر بالله فأنا أتبرّأ منه.
{إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ}
معنى: {فَطَرَنِي} [الزخرف: 27] خلقني وأبدعني {فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف: 27] دلَّتْ على أن المنهج لا بدَّ أن يكون من الذي خلق، فهو الذي يضع المنهج، وهو الذي يهدي، ولا يصح أن الله يخلق والناس تضع المنهج.
كما قلنا في مسألة الصانع الذي يضع (كتالوج) لصيانة صَنْعته لأنه الأدْرى بها الخبير بما يُصلحها.
هنا قال: {فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف: 27] بالسين الدالة على الاستقبال، وفي موضع آخر قال
{فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء: 78] بالمضارع، وهذا يدل على الهداية من الله متصلة في الحاضر والمستقبل.
ولأن الهداية والمنهج لا يكون إلا من الذي خلق؛ استخدم أسلوب القصر: {فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف: 27] وفي آية الشعراء
{الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 78 - 80] .