وقُرِىءَ بالكسرِ على أنَّ الجملةَ شرطيةٌ مخرِجةٌ للمحققِ مُخرجَ المشكوكِ لاستجهالِهم ، والجزاءُ محذوفٌ ثقةً بدلالةِ ما قبلَهُ عليه. وقولُه تعالَى: {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيّ فِى الأولين * وَمَا يَأْتِيهِم مّنْ نَّبِيّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ} تقريرٌ لما قبلَه ببيانِ أنَّ إسرافَ الأممِ السالفةِ لم يمنعْهُ تعالى من إرسالِ الأنبياءِ إليهم ، وتسليةٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم عن استهزاءِ قومِه به. وقولُه تعالى {يَسْتَهْزِءونَ فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً} أي من هؤلاءِ المسرفينَ ، عِدَةٌ له عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ، ووعيدٌ لهم بمثلِ ما جَرَى على الأولينَ ، ووصفُهم بأشدِّيَّة البطشِ لإثباتِ حكمِهم لهؤلاءِ بطريقِ الأولويةِ. {ومضى مَثَلُ الأولين} أي سلَف في القُرآنِ غيرَ مرةٍ ذكرُ قِصَّتِهم التي حقُّها أن تسيرَ مسيرَ المثلِ.
{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم} أي ليُسنِدُنَّ خلقَها إلى مَنْ هذا شأنُه في الحقيقةِ وفي نفسِ الأمرِ ، لا أنَّهم يُعبِّرونَ عنه بهذا العُنوانِ. وسلوكُ هذه الطريقةِ للإشعارِ بأنَّ اتصافَهُ تعالى بَما سُردَ من جلائلِ الصفاتِ والأفعالِ وبما يستلزمُه ذلكَ من البعثِ والجزاءِ أمرٌ بينٌ لا ريبَ فيهِ وأنَّ الحجةَ قائمةٌ عليهم شاؤُا أو أبَوا. وقد جُوِّزَ أن يكونَ ذلك عينَ عبارتِهم. وقوله تعالى {الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً} استئنافٌ من جهتِه تعالى أي بسَطَها لكُم تستقرُّونَ فيها. {وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} تسلكونَها في أسفارِكم {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي لكيْ تهتدُوا بسلوكِها إلى مقاصدِكم أو بالتفكُّر فيها إلى التوحيد الذي هُو المقصدُ الأصليُّ.