اتصال نظم الكلام من أول السورة إلى هنا وتناسب تنقلاته بالتفريع والبيان والاعتراض والاستطراد يقتضي أن قوله: {ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا} إلى آخره تنقُّلٌ في دَرجَ إثبات أن قصدهم العناد فيما يتعللون به ليواجهوا إعراضهم عن القرآن والانتفاع بهديه بما يختلقونه عليه من الطعن فيه والتكذيببِ به ، وتكلّفُ الأعذار الباطلة ليتستروا بذلك من الظهور في مظهر المنهزم المحجوج ، فأخَذ يَنقض دعاويهم عُروة عُروة ، إذْ ابتدئت السورة بتحدِّيهم بمعجزة القرآن بقوله: {حم تَنزِيلٌ مِنَ الرحمن الرَّحِيممِ كتاب فُصِّلَتْ ءاياته قُرءَاناً عَرَبِياً} إلى قوله {فهم لا يسمعون} [فصلت: 1 4] فهذا تحدَ لهم ووصف للقرآن بصفة الإِعجاز.
ثم أخذَ في إبطال معاذيرهم ومطاعنهم بقوله: {وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} [فصلت: 5] ، فإن قولهم ذلك قصدوا به أن حجة القرآن غير مقنعة لهم إغاظة منهم للنبيء صلى الله عليه وسلم ثم تَمالُئهم على الأعراض بقوله: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} [فصلت: 26] وهو عجز مكشوف بقوله: {إن الذين يلحدون في ءاياتنا لا يَخْفَون علينا} [فصلت: 40] وبقوله: {إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم} [فصلت: 41] الآيات.
فأعقبها بأوصاف كمال القرآن التي لا يجدون مطعناً فيها بقوله: {وإنه لكتاب عزيز} [فصلت: 41] الآية.