وإذ قد كانت هذه المجادلات في أول السورة إلى هنا إبطالاً لتعللاتهم ، وكان عماده على أن القرآن عربي مفصَّل الدلالةِ المعروفةِ في لغتهم حسبما ابتدئ الكلام بقوله: {كتاب فُصِّلَتْ ءاياته قُرءاناً عربياً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت: 3] وانْتُهي هنا بقوله: {وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} [فصلت: 41 ، 42] ، فقد نهضت الحجة عليهم بدلالته على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه الجهة فانتقل إلى حجة أخرى عمادها الفرضُ والتقديرُ أن يكون قد جاءهم الرسول صلى الله عليه وسلم بقرآن من لغة أخرى غير لغة العرب.
ولذلك فجملة: {ولو جعلناه قرءاناً أعجمياً} معطوفة على جملة: {وإنه لكتاب عزيز} [فصلت: 41] على الاعتبارين المتقدمين آنفاً في موقع تلك الجملة.
ومعنى الآية متفرع على ما يتضمنه قوله: {كتاب فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْءاناً عربياً لِقَوم يعلمون} [فصلت: 3] وقوله: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحَى إلي} [الكهف: 110] من التحدِّي بصفة الأمية كما علمت آنفاً ، أي لو جئناهم بلون آخر من معجزة الأمية فأنزلنا على الرسول قُرآناً أعجمياً ، وليس للرسول صلى الله عليه وسلم علم بتلك اللغة من قبل ، لقلبوا معاذيرهم فقالوا: لولا بُينت آياتُه بلغة نفهمها وكيف يخاطِبنا بكلام أعجمي.
فالكلام جار على طريقة الفرض كما هو مقتضى حرف {لو} الامتناعية.
وهذا إبانة على أن هؤلاء القوم لا تجدي معهم الحجة ولا ينقطعون عن المعاذير لأن جدالهم لا يريدون به تطلب الحق وما هو إلا تعنت لترويج هواهم.