ثُمَّ قَالُوا: مَا وَرَاءَكَ أَبَا الْوَلِيدِ؟ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ كَلَامًا مِنْ مُحَمَّدٍ مَا سَمِعْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَاللَّهِ مَا هُوَ بِالشِّعْرِ وَلَا بِالْكِهَانَةِ، فَأَطِيعُونِي فِي هَذِهِ وَأَنْزِلُوهَا بِي، خَلُّوا مُحَمَّدًا وَشَأْنَهُ وَاعْتَزِلُوهُ، فَوَاللَّهِ لَيَكُونَنَّ لِمَا سَمِعْتُ مِنْ كَلَامِهِ نَبَأٌ، فَإِنْ أَصَابَتْهُ الْعَرَبُ كُفِيتُمُوهُ بِأَيْدِي غَيْرِكُمْ، وَإِنْ كَانَ مَلِكًا أَوْ نَبِيًّا كُنْتُمْ أَسْعَدَ النَّاسِ بِهِ، لِأَنَّ مُلْكَهُ مُلْكُكُمْ وَشَرَفَهُ شَرَفُكُمْ.
فَقَالُوا: هَيْهَاتَ سَحَرَكَ مُحَمَّدٌ يَا أَبَا الْوَلِيدِ.
وَقَالَ: هَذَا رَأْيِي لَكُمْ فَاصْنَعُوا مَا شِئْتُمْ.
(فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ)
أَيِ اعْمَلْ فِي هَلَاكِنَا فَإِنَّا عَامِلُونَ فِي هَلَاكِكَ، قَالَهُ الْكَلْبِيُّ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: اعْمَلْ لِإِلَهِكَ الَّذِي أَرْسَلَكَ، فَإِنَّا نَعْمَلُ لِآلِهَتِنَا الَّتِي نَعْبُدُهَا.
وَقِيلَ: اعْمَلْ بِمَا يَقْتَضِيهِ دِينُكَ، فَإِنَّا عَامِلُونَ بِمَا يَقْتَضِيهِ دِينُنَا.
وَيَحْتَمِلُ خَامِسًا: فَاعْمَلْ لِآخِرَتِكَ فَإِنَّا نَعْمَلُ لِدُنْيَانَا، ذكره الماوردي.
(وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ(6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (7)
قال ابن عباس: لَا يَشْهَدُونَ (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وَهِيَ زَكَاةُ الْأَنْفُسِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: لَا يُقِرُّونَ بِالزَّكَاةِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: لَا يَتَصَدَّقُونَ وَلَا يُنْفِقُونَ فِي الطَّاعَةِ.
قَرَّعَهُمْ بِالشُّحِّ الَّذِي يَأْنَفُ مِنْهُ الْفُضَلَاءُ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أن الكافر يعذب بكفر مَعَ مَنْعِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُنْفِقُونَ النَّفَقَاتِ، وَيَسْقُونَ الْحَجِيجَ وَيُطْعِمُونَهُمْ، فَحَرَّمُوا ذَلِكَ عَلَى مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ.
(وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)
فَلِهَذَا لَا يُنْفِقُونَ فِي الطَّاعَةِ وَلَا يَسْتَقِيمُونَ وَلَا يَسْتَغْفِرُونَ.