36 -ثم ذكر طريقًا لمنع تهييج الشر، ودفع الغضب إذا بدت بوادره، فقال: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ} أصله: إن ما، على أن {إن} : شرطية، و {ما} : مزيدة لتأكيد معنى الشرط، والنزغ: شبه النخس كما في"الإرشاد"شبه به وسوسة الشيطان لأنها تبعث على الشر، وجعل نازغًا على حدّ جدّ جدّه فـ {مِنْ} ابتدائية؛ أي: نزغ صادر من جهته، أو المراد: وإما ينزغنك نازغ وصفًا للشيطان بالمصدر، فكلمة {من} : تجريدية جرّد من الشيطان شيطانًا آخر، وسمّاه نازغًا.
والمعنى: وإن يوسوس إليك الشيطان، ويصرفك عما وصيتك به من الدفع بالتي هي أحسن، ودعاك إلى خلافه .. {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} من شرّه، ولا تطعه {إنَّهُ} سبحانه وتعالى {هُوَ السَّمِيعُ} باستعاذتك {الْعَلِيمُ} بنتتك، وفي جعل ترك الدفع بالأحسن من آثار نزغات الشيطان مزيد تحذير وتنفير، قال الدميري في"حياة الحيوان": أجمعت الأمة على عصمة النبي - صلى الله عليه وسلم - من الشيطان، وإنما المراد: تحذير غيره من فتنة القرين، ووسوسته له وإغوائه، فأعلمنا أنه معنا لنحترز عنه حسب الإمكان انتهى.
وحاصل المعنى: أي وإن وسوس إليك الشيطان ليحملك على مجازاة المسيء .. فاستعذ بالله من كيده وشرّه، واعتصم من خطراته، إنه هو السميع لاستعاذتك منه، واستجارتك به من نزغاته، ولغير ذلك من كلامك وكلام غيرك، العلم بما ألقى في روعك من نزغاته، وحدّثتك به نفسك، وما قصدت من صلاح، ونويت من إحسان.
ومن شياطين الإنس من يفعل مثل هذا، فيصرف عن الدفع بالتي هي أحسن، فيقول لك: إن فلانًا عدوّك الذي فعل بك كيت وكيت، فانتهز الفرصة وخذ ثأرك منه، لتعظم في عينه وأعين الناس، ولا يظنن فيك العجز وقلة الهمة وعدم المبالاة، إلى نحو أولئك من العبارات المثيرة للغضب، التي ربما لا يخطر ببال شياطين الجن، نعوذ بالله من شر كل شيطان.
والخلاصة: إنّ صرفك الشيطان عما شرعت فيه من الدفع بالحسنى .. فاستعذ بالله من شره، وامض لشأنك ولا تطعه.