قال الآلوسي: قوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ أي: قصد إليها وتوجه، دون إرادة تأثير في غيرها، من قولهم: استوى إلى مكان كذا، إذا توجه إليه لا يلوى على غيره ..
وقوله: وَهِيَ دُخانٌ أي أمر ظلماني، ولعله أريد بها مادتها التي منها تركبت. .
وقوله - تعالى -: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ... بيان لما وجهه - سبحانه - إليهما من أوامر.
والمراد بإتيانهما: انقيادهما التام لأمره - تعالى - .
أي: فقال - سبحانه - للسماء وللأرض أخرجا ما خلقت فيكما من المنافع لمصالح العباد، فأنت يا سماء، أبرزى ما خلقت فيك من شمس وقمر ونجوم .. وأنت يا أرض أخرجى ما خلقت فيك من نبات وأشجار وكنوز.
قال الفخر الرازي: والمقصود من هذا القول: إظهار كمال القدرة، أي: ائتيا شئتما أم أبيتما، كما يقول الجبار لمن تحت يده: لتفعلن هذا شئت أم لم تشأ، ولتفعلنه طوعا أو كرها، وانتصابهما على الحال، بمعنى طائعين أو مكرهين .. .
وقوله: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ بيان لامتثالهما التام لأمره - تعالى - .
أي: قالتا: فعلنا ما أمرتنا به منقادين خاضعين مستجيبين لأمرك، فأنت خالقنا وأنت مالك أمرنا.
قال القرطبي: وقوله: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فيه وجهان: أنه تمثيل لظهور الطاعة منهما، حيث انقادا وأجابا فقام مقام قولهما. ومنه قول الراجز:
امتلأ الحوض وقال قطني ... مهلا رويدا ملأت بطني
يعني: ظهر ذلك فيه.
وقال أكثر أهل العلم: بل خلق الله - تعالى - فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد - سبحانه - .
وجمعهما - سبحانه - جمع من يعقل، لخطابهما بما يخاطب به العقلاء.
ثم فصل - سبحانه - بديع صنعه في خلق السماوات فقال: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ .... أي: ففرغ من خلقهن وتسويتهن على أبدع صورة وأحكم صنع في مقدار يومين.
والضمير في قوله فَقَضاهُنَّ إما راجع إلى السماء على المعنى لأنها سبع سموات، وإما مبهم يفسره ما بعده وهو سبع سموات.
وقوله: وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها أي: وأوحى في كل منها ما أراده وما أمر به، وخلق فيها ما اقتضته حكمته من الملائكة ومن خلق لا يعلمه إلا هو - سبحانه - .