قال ابن جرير: بعد أن ذكر جملة من الأقوال في معنى هذه الآية: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله - تعالى - أخبر أنه قدر في الأرض أقوات أهلها، وذلك ما يقوتهم من الغذاء، ويصلحهم من المعاش. ولم يخصص - جل ثناؤه - بقوله وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها أنه قدر فيها قوتا دون قوت، بل عم الخبر عن تقديره جميع الأقوات .. .
وقوله - تعالى -: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ متعلق بمحذوف يدل، عليه ما قبله.
أي: خلق الأرض، وجعل فيه رواسى من فوقها، وبارك فيها. وقدر فيها أقواتها في تمام أربعة أيام، فتكون المدة التي خلق فيها الأرض وما عليها أربعة أيام.
وقوله - سبحانه -: سَواءً لِلسَّائِلِينَ تأكيد لما دلت عليه الآية الكريمة من أن خلق كل من الأرض وما فيها وما عليها قد حدث في أربعة أيام.
قال الآلوسي: وقيدت الأيام الأربعة بقوله: سَواءً فإنه مصدر مؤكد لمضمر هو صفة الأيام. أي: - في أربعة أيام - استوت سواء، أي: استواء.
وقوله - تعالى -: لِلسَّائِلِينَ متعلق بمحذوف وقع خبرا لمبتدأ محذوف، أي: هذا الحصر في أربعة، كائن للسائلين عن مدة خلق الأرض، وما فيها .. .
وقال الجمل في حاشيته: فإن قيل لم جعلت مدة خلق الأرض بما فيها، ضعف مدة خلق السماوات، مع كون السماء أكبر من الأرض وأكثر مخلوقات وعجائب؟
قلت: للتنبيه على أن الأرض هي المقصودة بالذات لما فيها من الثقلين ومن كثرة المنافع، فزادت مدتها ليكون ذلك أدخل في المنة على ساكنيها، وللاعتناء بشأنهم وشأنها - أيضا -
زادت مدتها لما فيها من الابتلاء بالمعاصي والمجاهدات والمعالجات .. .
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر قدرته في خلق السماء، فقال: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ ...
ومعنى استوائه - سبحانه - إلى السماء، ارتفاعه إليها بلا كيف أو تشبيه أو تحديد، لأنه - سبحانه - منزه عن ذلك.
والدخان: ما ارتفع من لهب النار. والمراد به هنا: ما يرى من بخار الأرض أو بخار الماء ويصح أن يكون معنى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ: تعلقت إرادته - تعالى - بخلقها.