فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ قال: {طَائِعِينَ} على وزن جمع العقلاء المذكور، لا طائعتين حملًا على اللفظ أو طائعات حملًا على المعنى، لأنها سماوات وأرضون؟
قلت: جمعهما جمع العقلاء لخطابهما بما يخاطب به العقلاء، ونظيره: {سَاجِدِينَ} في قوله تعالى حكايةً عن يوسف عليه السلام: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} ؛ أي: لما وصفتا بأوصاف العقلاء .. عوملتا معاملة العقلاء، وجمعتا لتعدد مدلولهما.
والمعنى: أي فقال لتلك العوالم السماوية، وللأرض التي دارت حولها: ائتيا كيف شئتما، طائعتين أو كارهتين، فأجابتا فقالتا: أتينا طائعين. قال ابن عباس - رضي الله عنهما - قال الله تعالى للسماوات: أطلعي شمسك وقمرك وكواكبك، وأجري رياحك وسحابك، وقال للأرض: شقي أنهارك، وأخرجي شجرك وثمارك، طائعتين أو كارهتين، قالتا: {أَتَيْنَا طَائِعِينَ} .
وفي هذا دلالة على الحركة المستمرة المعبّر عن سببها بالجاذبية، فهي حركة تجري جري طاعة، لا جري قسر، فإنا نشاهد أنا نرمي الحجر إلى أعلى قسرًا، فيأبى إلا أن ينزل إلى الأرض بطريق الجاذبية إلى جسم أكبر منه وهي الأرض، وهكذا الأرض مجذوبة إلى الشمس التي هي أصلها بحركة دورية دائمة، طوعًا لا قسرًا، لأن القسرية كرمي الحجر إلى أعلى سريعة الزوال، أما حركة الطاعة .. فهي دائمة ما دام المطيع متخلقًا بخلقه الذي هو فيه.
12 -وقوله تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} تفسير وتفصيل لتكوين السماء المجمل المعبر عنه بالأمر، وجوابه لا أنه فعل مرتب على تكوينها، والضمير لـ {السَّمَاءِ} على المعنى، فإنه في معنى الجمع لتعدد مدلوله، فـ {سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} حال، أو هو؛ أي: الضمير مبهم يفسره {سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} كضمير ربه رجلًا فـ {سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} : تمييز.