والمعنى: والحال أن السماء دخان؛ أي: أمر ظلماني يشبه الدخان، وهو المرتفع من النار وهو من قبيل التشبيه البليغ ولما كانت أول حدوثها مظلمة صحت تسميتها بالدخان تشبيهًا لها به، من حيث إنها أجزاء متفرقة غير متواصلة، عديمة النور كالدخان، فإنه ليس له صورة تحفظ تركيبه. كما في"حواشي ابن الشيخ". وقال بعضهم: {وَهِيَ دُخَانٌ} ؛ أي: دخان مرتفع من الماء؛ يعني: السماء، بخار الماء كهيئة الدخان.
وكان عرش الرحمن قبل خلق السماوات والأرض على الماء، كما قال الله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} ، فلما أراد الله سبحانه وتعالى أن يخلق السماوات والأرض .. أمر الريح فضربت الماء فاضطرب الحاء اضطرابًا شديدًا فأزبد وارتفع، فخرج منه دخان، فأما الزبد: فبقي على وجه الماء، فخلق فيه اليبوسة، وأحدث منه الأرض، وأما الدخان: فارتفع وعلا، فخلق منه السماوات.
فَإِنْ قُلْتَ: هذه الآية مشعرة بأن خلق الأرض كان قبل السماء، وقوله: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) } مشعر بأن خلق الأرض بعد خلق السماء، فكيف الجمع بينهما؟
قلت: الجواب المشهور: أنه تعالى خلق الأرض أولًا، ثم خلق السماء بعدها، ثم بعد خلق السماء دحا الأرض ومدّها.
وفيه جواب آخر، وهو أن يقال: إن خلق السماء مقدم على خلق الأرض، فعلى هذا يكون معنى الآية خلق الأرض في يومين، وليس الخلق عبارةً عن الإيجاد والتكوين فقط، بل هو عبارة عن التقدير أيضًا، فيكون المعنى: قضى أن يحدث الأرض في يومين بعد إحداث السماء، فعلى هذا يزول الإشكال. والله أعلم بالحقيقة.
ولعل تقديم بيان ما يتعلق بالأرض وأهلها، لما أن بيان اعتنائه تعالى بأمر المخاطبين، وترتب مبادي معايشهم قبل خلقهم، مما يحملهم على الإيمان، ويزجرهم عن الكفر والطغيان.