وقرأ نافع وحفص وأبو عمرو وابن محيصن وهشام: {شُيُوخًا} بضم الشين، وقرأ الباقون: بكسرها، وقرئ: {شيخًا} بالإفراد لقوله: طفلًا.
يعني: أن مراتب الإنسان بعد خروجه من بطن أمه ثلاث: الطفولية وهي حالة النمو، والزيادة إلى أن يبلغ كمال الأشد من غير ضعف، ثم يتناقص بعد ذلك وهي الشيخوخة، {وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى} ؛ أي: يقبض روحه ويموت {مِنْ قَبْلُ} ؛ أي: من قبل الشيخوخة بعد بلوغ الأشد أو قبله أيضًا، وقوله: {وَلِتَبْلُغُوا} : متعلق بفعل مقدر بعده؛ أي: ولتبلغوا جميعًا {أَجَلًا مُسَمًّى} ؛ أي: وقتًا محدودًا معينًا لا تتجاوزونه هو وقت الموت، أو يوم القيامة يفعل ذلك؛ أي: ما ذكر من خلقكم من تراب وما بعده من الأطوار المختلفة، ولكون المعنى على هذا لم يعطف على ما قبله من {لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ} و {لِتَكُونُوا شُيُوخًا} ، وإنما قلنا: أو يوم القيامة؛ لأن الآية تحتوي على جميع مراتب الإنسان، من مبدأ فطرته إلى منتهى أمره، فجاز أن يراد أيضًا يوم الجزاء؛ لأنه المقصد الأقصى، وإليه كمِّيَّةُ الأحوال {وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون} ؛ أي: ولكي تعقلوا ما في ذلك الانتقال من طور، إلى طور من فنون الحكم والعبر، وتستدلوا به على وجود خالق القوى والقدر؛ أي: لكي تعقلوا توحيد ربكم، وقدرته البالغة في خلقكم على هذه الأطوار المختلفة.
ومعنى الآية: أي هو الذي خلقكم من التراب، إذ كل إنسان مخلوق من المني، والمني مخلوق من الدم، والدم يتولد من الأغذية، والأغذية تنتهي إلى النبات، والنبات يتكون من التراب والماء، ثم ذلك التراب يصير نطفةً ثم علقةً إلى مراتب كثيرة، حتى ينفصل الجنين من بطن الأم.
وقد رتب سبحانه عمر الإنسان ثلاث مراتب:
1 -الطفولة.
2 -بلوغ الأشد.
3 -الشيخوخة، ومن الناس من يتوفى قبل المرتبة الأخيرة، وهو يفعل ذلك ويبقيكم لتبلغوا الأجل المسمى، وهو يوم القيامة، وتعقلوا ما في التنقل في هذه الأطوار المختلفة من فنون العبر والحكم.