لو جئنَا بِكُرةٍ نحاسيّةٍ، وشطرْناها شَطريْن، وفرَّغنا الهواءَ مِن داخلِها، ثمّ أحْكَمْنا إغلاقَها، فإنَّ ثمانيَةَ أحْصِنَةٍ يتحرّكون بِجهتينِ متعاكِسَتينِ لا يستطيعون فصْلَ جزئِها الأوّلِ عن جزئِها الثاني، لماذا؟ لأنَّها فرِّغَتْ من الهواءِ، ولأنّ الضّغطَ الخارجيَّ يضغطُ عليها بهذه الطريقةِ البديعةِ.
لقد أُحكِم بناءُ جسمُ الإنسانِ، ولا سيما الهيكلِ العظميِّ إحكاماً بالغَ الدقَّةِ والمتانةِ، عن طريقِ العضلاتِ، والأوتارِ، والأربطةِ والجلدِ، وتناسبِ رؤوسِ العظامِ مع تجاويفِها، فلو حمل أبٌ ابنَه من يدِه بشدَّةٍ فإنّ ارتباطَ المرفقِ بتجويف الكتفِ ارتباطٌ متينٌ، يتحمَّلُ أضعافَ وزنِ الطفلِ.
والعِظامُ فيها متانةٌ عجيبةٌ، وفيها تحمّلٌ عجيبٌ لِقُوى الضّغطِ، وارْتِباطُ العظامِ بعضِها ببعْضٍ شيءٌ يَلفتُ النَّظَرَ، وربما أشارَ إلى معنى من معاني قولَه الله تعالى: {نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً} .
العضلات
حينما يتحرَّكُ الإنسانُ من مكانٍ إلى مكانٍ، يرفعُ ثقلاً، أو يؤدِّي عملاً، فما سرُّ هذه الحركةِ، وما سرُّ هذا العملِ؟ إنه كامنٌ في العضلاتِ، حينما تقفُ عندَ القصَّابِ، وتشتري اللحمَ، فهذا اللحمُ الذي تشترِيه هو العضلاتُ، واللهُ سبحانه وتعالى بحكمةٍ بالغةٍ جَعَلَ هذه العضلةَ مؤلَّفةً من ملايينِ الأليافِ، لو سَلَقْتَ اللحمَ لوجدتَهُ مُؤَلَّفاً من خيوطٍ، كلُّ خيطٍ ليفٌ، وكلُّ ليفٍ ينتهي بعصبٍ، فإذا جاءَ الأمرُ مِنَ المخِّ، أو من الجهازِ العصبيِّ إلى هذا الليفِ، فإنه ينقبضُ، ومعنى ينقبضُ أي يتقلَّصُ إلى ستين في المئةِ مِن طولِه، فيبقى أربعون، فإذا كان طولُ الليفِ عشرةَ سنتمتراتٍ فإنَّه يصبحُ أربعةً عند التقلُّصِ.