ويحتمل لا ينفع الظالمين معذرتهم لو كان منهم الاعتذار، ولا يقبل اعتذارهم، لكن لم يؤذنوا بالاعتذار حتى يعتذروا؛ وهو كقوله - تعالى -: (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ) ، أي: لو كان منهم فذلك لا يقبل، وكذا قوله تعالى: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) ، أي: لو كانت لهم شفعاء يشفعون لهم، لكان لا ينفعهم شفاعتهم لا أن كان شفعاء؛ فعلى ذلك قوله تعالى: (لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ) ، أي: لو كانوا يعتذرون لا يقبل اعتذارهم ولا ينفعهم معذرتهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ(53)
يحتمل الهدى هاهنا وجوهًا:
أحدها: أي: آتيناه التوراة وفيها البيان والدعاء إلى الرشد، وجميع كتب اللَّه تعالى فيها هدى ونور ورحمة.
والثاني: أي: آتاه التوحيد والإسلام.
ويحتمل: آتاه النبوة والرسالة، وآتاه كل ما لله عليه من حق، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ) .
يحتمل قوله: (الْكِتَابَ) : التوراة خاصة، ويحتمل التوراة وسائر الكتب؛ لأن الكتب في بني إسرائيل كانت كثيرة، كان فيها التوراة والزبور والإنجيل وغير ذلك، فجائز أن يريد بالكتاب: جميع الكتب التي كانت فيهم؛ إذ ذكر الكتاب بالألف واللام، وإنه يحتمل الجنس والعهد؛ فيجوز الصرف إلى التوراة لمكان العهد، ويجوز الصرف إلى الجميع لمكان الجنس، واللَّه أعلم.
وفي الآية دلالة أن لا جميع كتب اللَّه التي أنزلت فيهم غيرت وبدلت، بل فيهم ما لم يغير ولم يبدل حيث قال: (وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ. هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ(54) .
ثم قوله - تعالى -:
(هُدًى) : هو ما ذكرنا أن جمع كتب اللَّه تعالى هدى من الضلالة إلى الرشد، وبيان لما لله عليهم وما لبعض على بعض.