أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) . ثم قال:(وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ
نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ)المعنى إلى آخره.
وأعقب آية هذه السورة بقوله: (فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ(12) . فحكمه
فيهم إبعادهم وتخليدهم لذلك، فدخلوهم النار لأجل ذنوبهم وخلودهم فيه؛ لأجل
كفرهم بالله وإيثار سواه بالحب والأثرة عليه، نعوذ بالله من أحوال أهل النار في
الدنيا والآخرة.
أتبع ذلك ما هو بيان له، قوله: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ ...(13) . أي: يبين لكم سبل
الهداية إلى الصراط المستقيم (وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ) ويتحبب
إلجكم وأنتم تبغضونه، ويرشدكم إليه بآياته ويدعوكم بما أنزل إليكم من كتبه وأرسل
إليكم من رسله وأنتم عنه محجوبون.
(فصل)
لم يضمن الله التذكر إلا لمن ينيب ولمن يخشى، وآياته: أنواره وشواهده الدالة
عليه الشاهدة له، ونيِّراته المعلمة به في إنزاله الماء من السماء التذكر بالرياح
اللواقح في الهواء، وإنزاله الماء إلى الأرض إخراجه به من كل النبات ومن كل
الثمرات، يخلق من ذلك جميع الأنعام، يتغذى بذلك بنو آدم فيكونون عنه، كذلك
النشور وكذلك الخروج، غير أن هذه بحكم السنة وتلك بحكم الكلمة، ويذكر أيضًا
بالجنة وموجوداتها تحببًا إلى عباده المنيبين إلى ربهم، المحبين له، الذاكرين عند
كل حادث، الحامدين الشاكرين له على كل نعمه، كما قال بعضهم:
يذكرنيه كل خير رأيته ... وشر فما انفك منه على ذكر
هذا في مقابلة إقرارهم هناك بالحياتين والموتتين لتضييعهم الإيمان بذلك فيما
هَاهُنَا، لذلك ختم الخطاب بقوله الحق: (وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ) .
نظم بذلك قوله - عز من قائل: (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(14)
يقول لأحبته المؤمنين: اعملوا بما دلكم عليه العلم من عنده
وأعلمكم به الكتاب والرسول يغبطهم بولايته إياهم ويفردهم بذلك منه دون البغضاء الكافرين.
أتبع ذلك ما هو وصف حق له - جلَّ جلالُه - (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ) يمكن أن