إذن: عندنا حياة للمادة بها تحيا وتتحرك وتأكل وتشرب وتنشط، وهناك حياة أخرى معنوية بها تدخل الجنة حيث نعيمٌ بلا فَوْت، وحياة بلا موت. الحياة المادية لها روح تناسبها وهي حياة تنتهي بالموت، أما حياة القيم والمعنويات فلا بدَّ لها من روح عُلْوية تأتي بالالتزام بالمنهج في: افعل ولا تفعل، لذلك يسميها الله روحاً:
{أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52] وسمُّي مَنْ يحملها روحاً:
{نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ} [الشعراء: 193] .
وكل من الحياتين لها ما يناسبها من البقاء، فالأولى موقوتة بالأجل، والأخرى ممتدة باقية؛ لذلك قلنا في الشهيد الذي جاد بنفسه وأنهى حياته في سبيل منهجه أن الله يُجازيه على ذلك بأنْ يعصمه من الموت بعد ذلك.
{ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ للَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ}
الحق سبحانه وتعالى حينما تكلَّم عن العقائد وأيَّدها بالمعجزات، كان من الواجب أن نستقبل أحكامه تعالى فيها بالرضا والقبول، فلم يكلفنا سبحانه بحكم افعل ولا تفعل إلا بعد أنْ قدَّم حيثيات الإيمان الأعلى بالإله الأعلى، وآمن مَنْ آمن به وكفر مَنْ كفر رغم كل مصالحنا في تنظيم حركة الحياة بمنهج الله.
فإذا حكم علينا بحكم فيجب أن نطيعه، وإذا استقر في أذهانكم شيء يخالف ذلك فإنَّ واقعكم يؤيد أنكم لم تؤمنوا بقلوبكم {ذَلِكُم} [غافر: 12] أي: ما يحدث منكم من مواجهة الدعوة ومصادمتها ووقوفكم هذا الموقف المعادي ناشئ من {إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ} [غافر: 12] أي: كفرتم به.
وفي موضع آخر قال سبحانه:
{وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر: 45] .
أي: ظهر عليه الامتعاض والضيق لما سمعوا كلمة الله، لماذا؟ لأنهم يعلمون معنى الإيمان وما يترتب عليه من تكليف بمنهج: افعل كذا ولا تفعل كذا، يعلمون أن هذا المنهج يقيد شهواتهم فينهاهم عن أشياء مُحبَّبة إليهم ويدعوهم إلى أشياء أخرى ثقيلة على نفوسهم، لذلك إذا ذكَّرتهم بالله وبمنهج الإيمان امتعضوا في حين إذا ذكر غيره سبحانه من آلهتهم {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر: 45] ويفرحون، لماذا؟