ثم بين سبحانه كيفية استغفارهم للمؤمنين، فقال حاكيًا عنهم: {رَبَّنَا} فهو على تقدير القول على أنه بيان لاستغفارهم؛ أي: يقولون: ربنا، أو على أنه حال؛ أي: يستغفرون للذين آمنوا قائلين: ربنا {وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} نصب كل من {رَحْمَةً وَعِلْمًا} على التمييز المحول عن الفاعل؛ أي: وسعت رحمتك وعلمك كل شيء من خلقك، والمراد: أن رحمتك تسع ذنوبهم وخطاياهم، وعلمك يحيط بجميع أعمالهم وأقوالهم وحركاتهم وسكناتهم، وتقديم الرحمة على العلم، وإن كان العلم أشمل وأقدم تعلقًا من الرحمة؛ لأنها المقصودة بالذات هاهنا، وفي"عين المعاني": ملأت كل شيء نعمةً وعلمًا به، قال بعضهم: دخل في عموم الآية الشيطان ونحوه؛ لأن كل موجود له رحمة دنيوية ألبتة، وأقلها الوجود، وللشيطان إنظار إلى يوم الدين، ويكون من الرحمة الدنيوية إلى غير ذلك. {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا} عن الشرك والمعاصي {وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} ؛ أي: تمسكوا بدينك بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. و {الفاء} فيه: لترتيب الدعاء على ما قبلها من سعة الرحمة والعلم، فما بعد {الفاء} مسبب عن كل واحد من الرحمة والعلم، إذ المعنى: فاغفر للذين علمت منهم التوبة من الكفر والمعاصي، واتباع سبيل الإيمان والطاعة.
وفيه: إشارة إلى أن الملائكة لا يستغفرون إلا لمن تاب ورجع عن اتباع الهوى، واتبع بصدق الطلب وصفاء النية سبيل الحق تعالى. {وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} ؛ أي: واحفظهم من عذاب جهنم، وهو تصريح بعد إشعار للتأكيد، وذلك لأن معنى الغفران: إسقاط العذاب، وفيه إشارة إلى أنه بمجرد التوبة لا تحصل النجاة، فلا بدّ من الثبات عليها، وتخليص العمل من شوب الرياء والسمعة، وتصفية القلب عن الأهواء والبدع.