وورد في الحديث:"إن الله أخفى ثلاثاً في ثلاث: أخفى رضاه في طاعته"فلا تحقرنَّ طاعة ما فقد غفر الله لرجل سَقَى كلباً يلهث من شدة العطش، وسقاه بجهد واحتيال حين لم يجد شيئاً يخرج به الماء فخلع خُفُّه وسقى به الكلب. ولو سقى هذا الرجل إنساناً لقُلْنا إنه سقاه لعلة، أو له عنده جميل، إنما سقى كلباً. وهذا يدل على أن العمل فيه إخلاص، لأنه لا ينتفع من الكلب بشيء، إنما تأصل السقاء في نفسه، فهو يحبه بصرف النظر عن المسْقى، فالرجل طُبع على الخير ولا يعنيه لمن يُقدم هذا الخير.
الثانية:"وأخفى غضبه في معصيته"فقد دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. فكما أنك لا تحقر طاعة قد يكون فيها نجاتك، كذلك لا تحقر معصية فقد يكون فيها هلاكك.
الثالثة:"وأخفى أسراره في خلقه"؛ فلا تحقِرنّ خلقاً ما.
وقوله سبحانه: {قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ} [الزمر: 43] أي: هؤلاء الشفعاء {لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ} [الزمر: 43] يعني: كيف تطلبون شفاعتهم، وهم على هذا الوصف؟ {قُل لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً} [الزمر: 44] لأن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه سبحانه، يأذن للشافع ويرضى عن المشفوع له، فالشفاعة كلها لله وحده، لأن {لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الزمر: 44] ؛ فالمتكبّر المتأبّى على منهجي سيرجع إليّ.
ثم يقول الحق سبحانه:
{وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ...} .
{وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}
كلمة (اشْمأزَّتْ) يعني: نفرتْ. والإنسان حينما يسمع شيئاً لا يحبه يشمئز يعني: يظهر على سحنته الامتعاض، ثم تحدث منه نفرة وقشعريرة كئيبة، ثم ينصرف عن هذا الشيء، كذلك حال هؤلاء لما سمعوا ذكر الله وحده نفرتْ نفوسهم، وانقبضوا عن توحيد الله، لكن لماذا؟
قالوا: لأنك ذكَّرته بمَنْ يثق تمام الثقة أنه يملك ضُره ونفعه، وإلا لو لم تكُنْ لديه هذه الثقة ما أثَّر ذكر الله في نفسه، إذن: اشمأزتْ قلوبهم لأنهم خافوا من شيء، وساعةَ سمعوا ذكر الله تذكَروا جلاله وقدرته وعظمته، وتذكّروا أنهم مُقبلون عليه واقفون بين يديه، ولم يعملوا لهذا الموقف.