وجدير بالذكر أن هذا الإنسان الذي خُلِق من تراب حينما يموت، فإن جسده يتحلل، ويتحول إلى مادته الأولى، كما قال تعالى:"مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى" [طه: 55] .
وهذا الذي ذكرته من أطوار خلق الإنسان على مراحل، إنما هو من تربية الله تعالى للعبد، فهو سبحانه ربُّ العالمين، وتربيته لعباده لم تحدث فجأة، ولا في لحظة واحدة، وإنما كانت بالتدريج.
ويذكر الإمام الرازي في تفسيره ما يلي:
(وجوه تربية الله للعبد كثيرة غير متناهية، ونحن نذكر منها أمثلة:
المثال الأول: لَمَّا وقعت النطفة من صلب الأب إلى رحم الأم، فانظر كيف أنها صارت علقة أولاً، ثم مضغة ثانيًا، ثم تولدت منها أعضاء مختلفة مثل العظم ... فسبحان مَن أسمع بعظم، وبصَّر بشحم، وأنطق بلحم ... وكل ذلك يدل على تربية الله تعالى للعبد) [6] .
لطيفة:
وكما رأينا في خلق الله تعالى للسموات والأرض، أنه - سبحانه وتعالى - خلق الأرض أولاً؛ لأنها كالأساس للبنيان، فكذلك في خلق الله تعالى للإنسان أنه خلق العظم أولاً، ثم اللحم ثانيًا، قال تعالى:"فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا" [المؤمنون: 14] ، فكان خلق العظم (الهيكل العظمي) كالأساس الذي بني عليه الإنسان، وهذا أيضًا تدرج.
الحكمة من خلق الإنسان بالتدريج:
الحكمة من خلق آدم عليه السلام من تراب، ثم من طين، ثم من حمأ مسنون، ثم من صلصال كالفخار:
يوضح لنا الدكتور محمد محمود حجازي [7] هذه الحكمة فيقول:
(ولعل ذلك إشارة إلى ما ينطوي عليه الإنسان من غرائز وميول، فهو مخلوق حقًّا من تراب، ولكن هذا التراب معه ماء؛ فصار طينًا لازبًا، ثم صار حمأً مسنونًا أسْودَ مُنتنًا، ثم صار صلصالاً كالفخار.