قوله تعالى {وَهُوَ الْحَقُّ} آكد من قول القائل الذي أوحينا إليك حق من وجهين: أحدهما: أن التعريف للخبر يدل على أن الأمر في غاية الظهور؛ لأن الخبر في الأكثر يكون نكرة.
الثاني: أن الإخبار في الغالب يكون إعلاماً بثبوت أمر لا يعرفه السامع كقولنا: زيد قام فإن السامع ينبغي أن يكون عارفاً ولا يعلم قيامه فيخبر به، فإذا كان الخبر معلوماً فتكون الأخبار للنسبة فتعرف باللام كقولنا: إن زيداً العالم في هذه المدينة إذا كان علمه مشهوراً.
قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ}
في معناه وجهان: أحدهما: إنا أوحينا إليك القرآن ثم أورثناه من بعدك أي: حكمنا بتوريثه أو قال تعالى {وَأَوْرَثْنَا} وهو يريد نورثه فعبر عنه بالماضي لتحققه وقال مجاهد: أورثنا أعطينا؛ لأن الميراث إعطاء واقتصر على هذا الجلال المحلي.
وقيل: أورثنا أخرنا ومنه الميراث؛ لأنه تأخر عن الميت ومعناه: أخرنا القرآن من الأمم السالفة وأعطيناكموه وأهَّلناكم له.
(تنبيه)
أكثر المفسرين على أن المراد بالكتاب القرآن.
وقيل: إن المراد جنس الكتاب {الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا} أي: اخترنا {مِنْ عِبَادِنَا} قال ابن عباس رضي الله عنه: يريد بالعباد أمة محمد صلى الله عليه وسلم أي: من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة، ونقل ابن الجوزي عن ابن عباس رضي الله عنه أن الله تعالى أورث أمة محمد صلى الله عليه وسلم كل كتاب أنزله أي: لأن الله تعالى اصطفاهم على سائر الأمم وجعلهم أمة وسطاً ليكونوا شهداء على الناس، وخصهم بكرامة الانتماء إلى أفضل رسله تعالى، وحمل الكتاب الذي هو أفضل كتب الله تعالى، ثم قسمهم بقوله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ}
أي: في التقصير بالعمل به {وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} أي: يعمل به في أغلب الأوقات {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} وهو من يضم إلى العمل به التعليم والإرشاد إلى العمل.