وَأَيْضًا فَإِنَّ الْكَلَامَ الطَّيِّبَ عَمَلٌ صَالِحٌ، وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْعَمَلَ هُوَ الرَّافِعُ لِلْكَلِمِ، بِأَنْ يُتَأَوَّلَ أَنَّهُ يَزِيدُهُ فِي رَفْعِهِ وَحُسْنِ مَوْقِعِهِ إِذَا تَعَاضَدَ مَعَهُ.
كَمَا أَنَّ صَاحِبَ الْأَعْمَالِ مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إِذَا تَخَلَّلَ أَعْمَالَهُ كَلِمٌ طَيِّبٌ وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى كَانَتِ الْأَعْمَالُ أشرف، فيكون قول: (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) مَوْعِظَةً وَتَذْكِرَةً وَحَضًّا عَلَى الْأَعْمَالِ.
وَأَمَّا الْأَقْوَالُ الَّتِي هِيَ أَعْمَالٌ فِي نُفُوسِهَا، كَالتَّوْحِيدِ وَالتَّسْبِيحِ فَمَقْبُولَةٌ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ:(إِنَّ كَلَامَ الْمَرْءِ بِذِكْرِ اللَّهِ إِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ لَمْ يَنْفَعْ، لِأَنَّ مَنْ خَالَفَ قَوْلُهُ فِعْلَهُ فَهُوَ وَبَالٌ عَلَيْهِ.
وَتَحْقِيقُ هَذَا: أَنَّ الْعَمَلَ إِذَا وَقَعَ شَرْطًا فِي قَبُولِ الْقَوْلِ أَوْ مُرْتَبِطًا، فَإِنَّهُ لَا قَبُولَ لَهُ إِلَّا بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِيهِ فَإِنَّ كَلِمَهُ الطَّيِّبَ يُكْتَبُ لَهُ، وَعَمَلَهُ السَّيِّئَ يُكْتَبُ عَلَيْهِ، وَتَقَعُ الْمُوَازَنَةُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ يَحْكُمُ اللَّهُ بِالْفَوْزِ وَالرِّبْحِ وَالْخُسْرَانِ).
قُلْتُ: مَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ تَحْقِيقٌ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ شَرْطٌ فِي قَبُولِ الْقَوْلِ الطَّيِّبِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي الْآثَارِ(أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ نظرت الملائكة
إِلَى عَمَلِهِ، فَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ مُوَافِقًا لِقَوْلِهِ صَعِدَا جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَ عَمَلُهُ.
مُخَالِفًا وُقِفَ قَوْلُهُ حَتَّى يَتُوبَ مِنْ عَمَلِهِ).
فَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ إِلَى اللَّهِ.
وَالْكِنَايَةُ فِي (يَرْفَعُهُ) تَرْجِعُ إِلَى الْكَلِمِ الطَّيِّبِ.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالضَّحَّاكِ.