وَكَانَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ يَقُولُ: يَا كَذَّابُ يَا مُفْتَرٍ، اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَسُبَّ الشَّيْطَانَ فِي الْعَلَانِيَةِ وَأَنْتَ صَدِيقُهُ فِي السِّرِّ.
وَقَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ: يَا عَجَبًا لِمَنْ عَصَى الْمُحْسِنَ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِإِحْسَانِهِ! وَأَطَاعَ اللَّعِينَ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِعَدَاوَتِهِ! وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي (الْبَقَرَةِ) مُجَوَّدًا.
وَ (عَدُوٌّ) فِي قَوْلِهِ: (إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى مُعَادٍ، فَيُثَنَّى وَيُجْمَعُ وَيُؤَنَّثُ.
وَيَكُونُ بِمَعْنَى النَّسَبِ فَيَكُونُ موحدا بكل حال، كما قال عز وجل: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي) [الشعراء: 77] .
وَفِي الْمُؤَنَّثِ عَلَى هَذَا أَيْضًا عَدُوٌّ.
(وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ(9)
قَالَ: (فَسُقْناهُ) بَعْدَ أَنْ قَالَ: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ) وَهُوَ مِنْ بَابِ تَلْوِينِ الْخِطَابِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: سَبِيلُهُ (فَتَسُوقُهُ) ، لِأَنَّهُ قَالَ: (فَتُثِيرُ سَحاباً) .
الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ جَاءَ (فَتُثِيرُ) عَلَى الْمُضَارَعَةِ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ؟
قُلْتُ: لِتَحْكِيَ الْحَالَ الَّتِي تَقَعُ فِيهَا إِثَارَةُ الرِّيَاحِ السَّحَابَ، وَتَسْتَحْضِرُ تِلْكَ الصورة البديعة الدالة على القدوة الرَّبَّانِيَّةِ، وَهَكَذَا يَفْعَلُونَ بِفِعْلٍ فِيهِ نَوْعُ تَمْيِيزٍ وَخُصُوصِيَّةٍ بِحَالٍ تُسْتَغْرَبُ، أَوْ تُهِمُّ الْمُخَاطَبَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَأَبَّطَ شَرًّا:
بِأَنِّي قد لقيت الغول تهوي ... وبسهب كالصحيفة صحصحان
فاضربها بلا دهش فخرت ... وصريعا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْجِرَانِ
لِأَنَّهُ قَصَدَ أَنْ يُصَوِّرَ لِقَوْمِهِ الْحَالَةَ الَّتِي تَشَجَّعَ فِيهَا بِزَعْمِهِ عَلَى ضَرْبِ الْغُولِ، كَأَنَّهُ يُبَصِّرُهُمْ إِيَّاهَا، وَيُطْلِعُهُمْ عَلَى كُنْهِهَا مُشَاهَدَةً لِلتَّعَجُّبِ.