يريد أن شعره أسود حالك وكلمة سود بالآية بدل من غربيب المعطوفة على بيض ، وهي لم تتكرر بالقرآن"وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ"أيضا لأنها كلها من الأرض ، والأرض متنوعة فتتبع أصلها"كَذلِكَ"كاختلاف الأثمار والجبال.
وهنا تم الكلام فيما يتعلق بذلك.
مطلب خشية اللّه تعالى:
ثم يبدأ بقوله"إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ"قال ابن عباس: إنما يخافني من علم جبروتي وعزتي وسلطاني.
وقال مقاتل: أشد الناس خشية للّه أعلمهم به.
وقال الربيع بن أنس: من لم يخش اللّه ليس بعالم.
روى البخاري ومسلم عن عائشة قالت: صنع رسول اللّه شيئا فرخص فيه فتنزه عنه قوم ، فبلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فخطب فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه ؟! فو اللّه إني لأعلمهم به وأشدهم له خشية (ومعنى ترخّص أي لم يشدد فيه ، وتنزه تباعد عنه وكرهه) ورويا عن أنس قال: خطب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط فقال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم
كثيرا ، فغطى أصحاب رسول اللّه وجوههم لهم خنين (بكاء مع غنة) والمراد بالعلماء هنا المخلصون العارفون باللّه العالمون بما يليق به من صفات وأفعال حق العلم والمعرفة ، لا العالمون بالمنطق واللغة والهندسة والرياضيات والكيمياء والسحر وغيرها ، لأن هذه وإن كانت علوما يطلب تعليمها لمصالح الدنيا ، إلا أنها لا تكون مدارا لخشية اللّه المنوه بها في الآية التي كلما ازداد بها العالم معرفة ازداد معرفة باللّه ، وكان أكثر خشية له من غيره.
نعم إن في علم الطب وتشريح الأعضاء والوقوف على كامل خلق اللّه ما يوجب الخشية للّه والرجوع إليه ، وجدير بالكافر أن يؤمن إيمانا كاملا لما يرى من بديع صنع اللّه في خلقه ، ولكن قليل ما هم أولئك الذين يتفكرون في ذلك.