الأسقام تزعج الأبدان فلا بد من النحول ضرورة كأنك بك في لحدك على فراش الندم وإنه والله لأخشن من الجندل فازرع في ربيع حياتك قبل جدوبة أرض شخصك وادخر من وقت قدرتك قبل زمان عجزك وأعتد رحلك قبل رحيلك مخافة الفقر في القفر إلى الأزم الحذار الحذار (أَن تَقولَ نَفسٌ يا حَسرَتى) .
الحازم يتزود لما به قبل أن يصير لمآبه شجرة الحزم أصلها إحكام النظر وفروعها المشاورة في المشكل وثمرتها انتهاز الفرص وكفى بذهاب الفرصة ندما.
وَكَم فُرصَةٍ فاتَت فَأَصبَحَ رَبُّها يَعُضُ عَلَيها الكَفَّ أَو يَقرَع السَّنا واعجبا لمضيع العمر في التواني فإذا جاء متقاضي الروح قال (إِنّي تُبتُ الآن) (وَأَنَى لَهُم التَناوُش مِن مَكانٍ بَعيد) .
يا رابطا مناه بخيط الأمل إنه ضعيف الفتل لو فتحت عين التيقظ لرأيت حيطان العمر قد تهدمت فبكيت على خراب دار الأمل جسمك عندنا وقلبك على فراسخ لا بالتسويف ترعوي ولا بالتخويف تستوي ضاعت مفاتيحي معك.
(فصل: ولا تنس نصيبك من الدنيا)
تأملت أحوال الصوفية والزهاد، فرأيت أكثرها منحرفاً عن الشريعة، بين جهل بالشرع، وابتداع بالرأي.
يستدلون بآيات لا يفهمون معناها، وبأحاديث لها أسباب، وجمهورها لا يثبت.
فمن ذلك، أنهم سمعوا في القرآن العزيز: {وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} ، {اعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ} ثم سمعوا في الحديث:"للدنيا أهون على الله من شاة ميتة، على أهلها"
فبالغوا في هجرها من غير بحث عن حقيقتها.
وذلك أنه ما لم يعرف حقيقة الشيء فلا يجوز أن يمدح ولا أن يذم.
فإذا بحثنا عن الدنيا رأينا هذه الأرض البسيطة التي جعلت قراراً للخلق، تخرج منها أقواتهم، ويدفن فيها أمواتهم.
ومثل هذا لا يذم لموضع المصلحة فيه.
ورأينا ما عليها من ماء، وزرع، وحيوان، كله لمصالح الآدمي، وفيه حفظ لسبب بقائه.
ورأينا بقاء الآدمي سبباً لمعرفة ربه، وطاعته إياه، وخدمته.
وما كان سبباً لبقاء العارف العابد، يمدح ولا يذم.
فبان لنا أن الذم إنما هو لأفعال الجاهل، أو العاصي في الدنيا.
فإنه إذا اقتنى المال المباح، وأدى زكاته، لم يلم.
فقد علم ما خلف الزبير، وابن عوف وغيرهما، وبلغت صدقة علي - رضي الله عنه - أربعين ألفاً.