قُلْتُ: يَا رَاهِبُ مِنْ أَيْنَ تَأْكُلُ؟ قَالَ: مِنْ زَرْعٍ لَمْ أَبْذُرْهُ.
قُلْتُ: مَنْ يَأْتِيكَ بِهِ؟ قَالَ: الَّذِي نَصَبَ الرَّحَا يَأْتِيهَا بِالطَّحِينِ.
قُلْتُ: كَيْفَ تَرَى حَالَكَ؟ قَالَ: كَيْفَ يَكُونُ حَالُ مَنْ أَرَادَ سَفَرًا بِلا أُهْبَةٍ, وَيَسْكُنُ قَبْرًا بِلا مُؤْنِسٍ, وَيَقِفُ بَيْنَ يَدَيْ حَكَمٍ عَدْلٍ.
ثُمَّ أَرْسَلَ عَيْنَهُ وَبَكَى.
قُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: ذَكَرْتُ أَيَّامًا مَضَتْ مِنْ أَجَلِي لَمْ أُحَقِّقْ فِيهَا عَمَلِي, وَفَكَّرْتُ في قلة الزاد وفي عقبة هُبُوطٍ إِلَى الْجَنَّةِ أَوْ إِلَى النَّارِ.
قُلْتُ يَا رَاهِبُ: بِمَ يُسْتَجْلَبُ الْحُزْنُ؟ قَالَ: بِطُولِ الْغُرْبَةِ, وَلَيْسَ الْغَرِيبُ مَنْ مَشَى مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ, وَلَكِنَّ الْغَرِيبَ صَالِحٌ بَيْنَ فُسَّاقٍ.
ثُمَّ قَالَ: إِنَّ سُرْعَةَ الاسْتِغْفَارِ تَوْبَةُ الْكَذَّابِينَ, لَوْ عَلِمَ اللِّسَانُ مِمَّا يَسْتَغْفِرُ لَجَفَّ فِي الْحَنَكِ, إِنَّ الدُّنْيَا مُنْذُ سَاكَنَهَا الْمَوْتُ مَا قرت بها عين, كلما تزوجت الدنيا زوجا طَلَّقَهُ الْمَوْتُ, فَمَثَلُهَا كَمَثَلِ الْحَيَّةِ لَيِّنٌ مَسُّهَا وَالسُّمُّ فِي جَوْفِهَا.
ثُمَّ قَالَ: عِنْدَ تَصْحِيحِ الضَّمَائِرِ يَغْفِرُ اللَّهُ الْكَبَائِرَ, وَإِذَا عَزَمَ الْعَبْدُ عَلَى تَرْكِ الآثَامِ أَتَتْهُ مِنَ السَّمَاءِ الْفُتُوحُ, وَالدُّعَاءُ الْمُسْتَجَابُ الَّذِي تُحَرِّكُهُ الأَحْزَانُ.
قُلْتُ: فَأَكُونُ مَعَكَ يَا رَاهِبُ؟ قَالَ: مَا أَصْنَعُ بِكَ وَمَعِي مُعْطِي الأَرْزَاقِ وَقَابِضُ الأَرْوَاحِ, يَسُوقُ إِلَيَّ الرِّزْقَ فِي كُلِّ وَقْتٍ, لَمْ يُكَلِّفْنِي جَمْعَهُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ غَيْرَهُ.