{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ... (77) }
(مُنَافَسَةُ الْهَوَى فِيمَا يَزُولُ ... عَلَى نُقْصَانِ هِمَّتِهِ دَلِيلُ)
(وَمُخْتَارُ الْقَلِيلِ أَقَلُّ مِنْهُ ... وَكُلُّ فَوَائِدِ الدُّنْيَا قَلِيلُ)
يَا قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنِ اللَّهْوِ وَالْعَبَثِ، يَا مَنْ كُلَّمَا عَاهَدَ غَدَرَ وَنَكَثَ, يا مغترا بساحر الهوى كما نَفَثَ, تَاللَّهِ لَقَدْ بُولِغَ فِي تَوْبِيخِهِ وَمَا اكْتَرَثَ, وَبَعَثَ إِلَيْهِ النَّذِيرَ وَلا يَدْرِي مِنَ الْعَبَثِ مَنْ بَعَثَ, سَيَنْدَمُ مَنْ لِلْقَبِيحِ حَرَثَ, سَيَبْكِي زَمَانَ الْهَوَى حِينَ الظَّمَإِ عِنْدَ اللَّهَثِ, سَيَعْرِفُ خَبَرَهُ الْعَاصِي إِذَا حَلَّ الْحَدَثُ, سَيَرَى سِيَرَهُ إِذَا نَاقَشَ الْمَسَائِلَ وَبَحَثَ, سَيَقْرَعُ سِنَّ الندم إذا نادى ولم يعث, عَجَبًا لِجَاهِلٍ بَاعَ تَعْذِيبَ النُّفُوسِ بِرَاحَاتِ الْجُثَثِ.
كَانَ الشِّبْلِيُّ يَقُولُ: لا تَغْتَرِرْ بِدَارٍ لا بُدَّ مِنَ الرَّحِيلِ عَنْهَا, وَلا تُخَرِّبْ دَارًا لا بُدَّ مِنَ الْخُلُودِ فِيهَا.
قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ: مَرَرْتُ بِرَاهِبٍ فَنَادَيْتُهُ: يَا رَاهِبُ مَنْ تَعْبُدُ؟ قَالَ: الَّذِي خَلَقَنِي وَخَلَقَكَ.
قُلْتُ عَظِيمٌ هُوَ؟ قَالَ: قَدْ جَاوَزَتْ عَظَمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ.
قُلْتُ: فَمَتَى يَذُوقُ الْعَبْدُ حَلاوَةَ الأُنْسِ بِاللَّهِ؟ قَالَ: إِذَا صَفَا الْوُدُّ وَخَلَصَتِ الْمُعَامَلَةُ.
قُلْتُ: فَمَتَى يَصْفُو الْوُدُّ؟ قَالَ: إِذَا اجْتَمَعَ الْهَمُّ فِي الطَّاعَةِ.
قُلْتُ: فَمَتَى تَخْلُصُ الْمُعَامَلَةُ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ الهم هماً واحداً.
قلت فكيف تخليت بِالْوَحْدَةِ؟ قَالَ: لَوْ ذُقْتَ حَلاوَةَ الْوَحْدَةِ لاسْتَوْحَشْتَ إِلَيْهَا مِنْ نَفْسِكَ.
قُلْتُ: فَمَا أَكْثَرُ مَا يَجِدُ الْعَبْدُ مِنَ الْوَحْدَةِ؟ قَالَ: الرَّاحَةَ مِنْ مُدَارَكَةِ النَّاسِ وَالسَّلامَةَ مِنْ شَرِّهِمْ.
قُلْتُ: بِمَاذَا يُسْتَعَانُ عَلَى قِلَّةِ الْمَطْعَمِ؟ قَالَ: بِالتَّحَرِّي فِي الْمَكْسَبِ.
قُلْتُ: زِدْنِي خِلالا. قَالَ كُلْ حَلالا وَارْقُدْ حَيْثُ شِئْتَ.
قُلْتُ: فَأَيْنَ طَرِيقُ الرَّاحَةِ؟ قَالَ: خِلافُ الْهِوَى.
قُلْتُ: لِمَ تَعَلَّقْتَ فِي هَذِهِ الصَّوْمَعَةِ؟ قَالَ: مَنْ مَشَى عَلَى الأَرْضِ عَثَرَ, فَتَحَصَّنْتُ بِمَنْ فِي السَّمَاءِ مِنْ فِتْنَةِ أَهْلِ الأَرْضِ لأَنَّهُمْ سُرَّاقُ الْعُقُولِ, وَذَلِكَ أَنَّ الْقَلْبَ إِذَا صَفَا ضَاقَتْ عَلَيْهِ الأَرْضُ فَأَحَبَّ قُرْبَ السَّمَاءِ.