وليس بينهما اختلاف ، فساعة تصدَّق الإنسان بدرهم مثلاً أعطاه الله عشرة منها بدرهم الذي تصدَّق به ، فكأنه أعطاه تسعة ، فحين تُضَاعف التسعة ، تصبح ثمانية عشرة .
ثم يقول سبحانه: {وَلاَ تَبْغِ الفساد فِي الأرض إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المفسدين} [القصص: 77] والفساد يأتي من الخروج عن منهج الله ، فإنْ غيَّرت فيه فقد أفسدتَ ، فالفساد كما يكون في المادة يكون في المنهج ، وفي المعنويات ، يقول سبحانه: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ...} [الأعراف: 56] .
فالحق سبحانه خلق كل شيء على هيئة الصلاح لإسعاد خلقه ، فلا تعمد إليه أنت فتفسده ، ومن هذا الصلاح المنهج ، بل المنهج وهو قوام الحياة المعنوية - أَوْلَى من قِوام الحياة المادية .
إذن: فلتكُنْ مؤدباً مع الكون من حولك ، فإذا لم تستطع أنْ تزيده حُسْناً فلا أقلَّ من أنْ تدعه كما هو دون أنْ تفسده ، وضربنا لذلك مثلاً ببئر الماء قد تعمد إليه فتطمسه ، وقد تبني حوله سوراً يحميه .
هذه مسائل خمْس توجَّه بها قوم قارون لنصحه بها ، منها الأمر ، ومنها النهي ، ولا بُدَّ أنهم وجدوا منه ما يناقضها ، لا بُدَّ أنهم وجدوه بَطِراً أَشِراً مغروراً بماله ، فقالوا له: {لاَ تَفْرَحْ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين} [القصص: 76] .
ووجدوه قد نسي نصيبه من الدنيا فَلم يتزود منها للآخرة ، فقالوا له {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا ...} [القصص: 77] ، ووجدوه يضنُّ على نفسه فلا ينفق في الخير ، فقالوا له: {وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ...} [القصص: 77] يعني: عَدِّ نعمتك إلى الغير ، كما تعدَّت نعمة الله إليك . . وهكذا ما أمروه أمراً ، ولا نهوْهُ نهياً إلا وهو مخالف له ، وإلا لَمَا أمروه ولَمَا نهوْهُ .