فسمَّى الصدقة قرضاً لله ، لماذا؟ لأن هذا العبد عبدي ، مسئول مني أن أرزقه ، وقد ابتليتُه لحكمة عندي - حتى لا يظنّ أحد أن المسألة ذاتية فيه ، فيعتبر به غيره - فمَنْ إذن يقرضني لأسُدَّ حاجة أخيكم؟
وقال تعالى: {يُقْرِضُ الله ...} [الحديد: 11] مع أنه سبحانه الواهب ؛ لأنه أراد أن يحترم ملكيتك ، وأن يحترم انتفاعك ، وسَعْيك . . كما لو أراد والد أنْ يُجري لأحد أبنائه عملية جراحية مثلاً وهو فقير وإخوته أغنياء ، فيقول لأولاده: اقرضوني من أموالكم لأجري الجراحة لأخيكم ، وسوف أردُّ عليكم هذا القرض .
"وفي الحديث الشريف أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على ابنته فاطمة - رضوان الله عليها - فوجدها تجلو درهماً فسألها: ماذا تصنعين به"؟ قالت: أجلوه ، قال:"لِمَ"؟ قالت: لأني نويت أن أتصدق به ، وأعلم أنه يقع في يد الله قبل أن يقع في يد الفقير"."
إذن: فالمال مال الله ، وأنت مناول عن الله تعالى .
وقد وقف بعض المستشرقين عند هذه المسألة ؛ لأنهم يقرأون الآيات والأحاديث مجرد قراءة سطحية غير واعية ، فيتوهمون أنها متضاربة . فقالوا هنا: الله تعالى يقول: {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ ...} [الحديد: 11] .
وقال في موضع آخر: {مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ...} [الأنعام: 160] وفي الحديث الشريف:"مكتوب على باب الجنة: الصدقة بعشر أمثالها ، والقرض بثمانية عشر".
فظاهر الحديث يختلف مع الآية الكريمة - هذا في نظرهم - لأنهم لا يملكون المَلَكة العربية في استقبال البيان القرآني . وبتأمل الآيات والأحاديث نجد اتفاقهما على أن الحسنة أو الصدقة بعشر أمثالها ، فالخلاف - ظاهراً - في قوله تعالى:
{فَيُضَاعِفَهُ لَهُ ...} [الحديد: 11] وقول النبي صلى الله عليه وسلم:"والقرض بثمانية عشر".