وحين تحب نعيم الدنيا وتحتضنه وتتشبث به ، فاعلم أن دنياك لن تمهلك ، فإما أنْ تفوت هذا النعيمَ بالموت ، أو يفوتك هو حين تفتقر . إذن: إن كنت عاشقاً ومُحباً للمال ولبقائه في حَوْزتك ، فانقله إلى الدار الباقية ، ليظل في حضنك دائماً نعيماً باقياً لا يفارقك ، فسارع إذن واجعله يسبقك إلى الآخرة .
"وفي الحديث الشريف لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين عائشة عن الشاة التي أُهديَتْ له قالت بعد أن تصدقت بها: ذهبتْ إلا كتفها ، فقال صلى الله عليه وسلم:"بل بقيتْ إلا كتفها"."
ويقول صلى الله عليه وسلم:"ليس لك من مالك إلا ما أكلتَ فافنيتَ ، أو لبستَ فأبليتَ ، أو تصدقْتَ فأبقيْتَ".
لذلك كان أولو العزم حين يدخل على أحدهم سائل يسأله ، يقول له: مرحباً بمَنْ جاء يحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة .
والإمام علي - رضي الله عنه - جاءه رجل يسأله: أأنا من أهل الدنيا ، أم من أهل الآخرة؟ فقال: جواب هذا السؤال ليس عندي ، بل عندك أنت ، وأنت الحكم في هذه المسألة . فإنْ دخل عليك مَنْ تعودت أنه يعطيك ، ودخل عليك مَنْ تعودت أنْ يأخذ منك ، فإنْ كنتَ تبشُّ لمن يعطي ، فأنت من أهل الدنيا ، وإنْ كنتَ تبشُّ لمَنْ يسألك ويأخذ منك ، فأنت من أهل الآخرة ، لأن الإنسان يحب من يعمر له ما يحب ، فإنْ كنتَ محباً للدنيا فيسعدك مَنْ يعطيك ، وإنْ كنتَ محباً للآخرة فيسعدك مَنْ يأخذ منك .
وإذا كان ربنا - عز وجل - يوصينا بأن نبتغي الآخرة ، فهذا لا يعني أن نترك الدنيا: {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا ...} [القصص: 77] لكن هذه الآية يأخذها البعض دليلاً على الانغماس في الدنيا ومتعها .