قال هنا أيضاً {يُنَادِيهِمْ ...} [القصص: 65] فما الغرض من كل هذه النداءات؟ إنها للتقريع وللسخرية منهم ، وممَّنْ عبدوهم واتبعوهم من دون الله ، ومضمون النداء: {مَاذَآ أَجَبْتُمُ المرسلين} [القصص: 65] والإجابة: موافقة المطلوب من الطالب ، فماذا كانت إجابتكم لهم بعد أن آمنتم بإله ، أأخذتُم بما جاءوا به من أحكام؟ أعلمتم منهم علماً يقينياً حقاً؟
وهذا الاستفهام للتعجيز ؛ لأنهم إنْ حاولوا الإجابة فلن يجدوا إجابة فيخزون ويخجلون ؛ لذلك يقول بعدها {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنبآء ...} [القصص: 66] أي: خفِيَتْ عليهم الحجج والأعذار وعموا عنها فلم يروْهَا {فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ} [القصص: 66] لا يملكون إلا السكوت كما قالوا: جواب ما يكره السكوت ، وكما قال سبحانه: {وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً} [المعارج: 10] .
وهؤلاء لا يتساءلون ؛ لأنهم في الجهل سواء ، وفي الضلال شركاء ، وكل منهم مشغول بنفسه {يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وصاحبته وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امرئ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 34 - 37] .
وكما سُئِل المشركون: {مَاذَآ أَجَبْتُمُ المرسلين} [القصص: 65] في موضع آخر يسأل الرسل: {يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ ...} [المائدة: 109] أي: فيما علمتم من العلم ، وأوله: علم اليقين الأعلى ، وثانيها: علم الأحكام ، فبماذا أجابكم الناس؟
وتأمل هنا أدب الرسل ومدى فهمهم في مقام الجواب لله ، وهم يعلمون تماماً بماذا أجاب أقوامهم ، وأن منهم مَنْ آمن بهم ، وتفانى في خدمة دعوتهم وضحّى واستشهد ، ومنهم مَنْ كفر وعاند ، ومع ذلك يقولون: {قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب} [المائدة: 109] .