فكيف يقولون: {لاَ عِلْمَ لَنَآ . .} [المائدة: 109] وهم يعلمون؟ قالوا: لأنهم غير واثقين أن مَنْ آمن آمن عن عقيدة أم لا ، فهم يأخذون بظواهر الناس ، أما بواطنهم فلا يعلمها إلا الله ، كأنهم يقولون: أنت يا ربنا تسأل عن إجابة الحق لا عن إجابة النفاق ، وإجابة الحق نحن لا نعرفها ، وأنت سبحانك علاَّم الغيوب .
إذن: جعلوا الحق - تبارك وتعالى - هو السُّلْطة التشريعية ، والسلطة القضائية ، والسلطة التنفيذية في محكمة العدل الإلهي التي سيُعلن فيها على رؤوس الأشهاد {لِّمَنِ الملك اليوم ...} [غافر: 16] .
والسؤال عند العرب يُطلق ، إما للمعرفة حيث تسأل لتعرف ، كما يسأل التلميذ أستاذه ، أو يكون السؤال للإقرار بما تعرف ، كما يسأل الأستاذ تلميذه ليقرّ على نفسه ، ومن ذلك قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} [الرحمن: 39] أي: سؤالَ علم ؛ لأننا نعلم .
وقوله تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} [الصافات: 24] أي: سؤال إقرار منهم ، وإنْ كان كلامي يوم القيامة حجة ، لأنه لا مردَّ له ، لكن مع ذلك نسألهم ليقروا هم ، وليشهدوا على أنفسهم .
والحق - تبارك وتعالى - يدلُّك على أنه تعالى يُبشِّع مظاهر يوم القيامة على الكافرين ، لا لأنه كاره لهم ، بل يريدهم أنْ يستحضروا هذه الصورة البشعة لعلّهم يرعوون ويتوبون ؛ لذلك يفتح لهم باب التوبة لأنه رب ورحيم .
لذلك جاء في الحديث القدسي:"قالت الأرض: يا رب إئذن لي أنْ أخسف بابن آدم فقد طَعِم خيرك ومنع شكرك . وقالت الجبال: يا رب إئذن لي أنْ أخِرَّ على ابن آدم فقد طَعِم خيرك ومنع شكرك . فقال تعالى: دعوني وخلقي لو خلقتموهم لرحمتموهم ، دعوهم فإنْ تابوا إليَّ فأنا حبيبهم ، وأنْ لم يتوبوا فأنا طبيبهم".