ولو كان أمامهم شركاء لقالوا: ها هم الذين أضلُّونا ، فأذِقْهم يا رب العذاب ضِعْفين ، لكنهم لم يجيبوا فهذا دليل على أنهم غَير موجودين ، لقد وقف هؤلاء المشركين حائرين ، لا يدرون جواباً كما قال تعالى: {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنبآء ...} [القصص: 66] .
ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول ...} .
والكلام هنا للشركاء الذين أضلوا المشركين وأغَووْهم ، ومعنى {حَقَّ عَلَيْهِمُ ...} [القصص: 63] أي: ثبت ووقع ، فهو أمر لا محالة منه ، ولم يعد هناك مجال لزحزحته عنهم ، كما قال سبحانه في موضع آخر: {فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ} [الصافات: 31] .
وقال الحق سبحانه وتعالى: {وَوَقَعَ القول عَلَيهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ} [النمل: 85] .
لكن ، ما هو القول الذي وقع وثبت لهم وحَقَّ عليهم؟ القول: أن كلَّ واحد له مكان عندي في الجنة على فَرْض أنكم جميعاً آمنتم ، وكل واحد له مكان في النار على فَرْض أنكم جميعاً كفرتم .
وماذا قالوا؟ قالوا: {رَبَّنَا هؤلاء الذين أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ...} [القصص: 63] سبحان الله الآن تقولون ربنا وتعترفون بربوبيته تعالى ، كما قال تعالى في شأن فرعون: {آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ المفسدين} [يونس: 91] .
الآن تعترفون بعد أنْ سُلِب منكم الاختيار ، ولم تعُد لكم إرادة حتى على جوارحكم وأبعاضكم ، فيدُكَ التي كنت تبطش بها ، ورِجْلك التي كنت تسعى بها ولسانك . . كلها خرجت عن إرادتك وطَوْع أمرك ؛ لأنها الآن طَوْعٌ لأمر الله {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النور: 24] .