فالحق سبحانه يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أنْ يذكر ذلك اليوم يذكره لنفسه ، ويذكره لقومه ليعتبروا ، فربما إذا سمعوا ما في هذا اليوم من القسوة والخزي والنكال ربما راجعوا أنفسهم فتابوا إلى الله .
إذن: ليس حظ الله تعالى من هذا العمل أنْ يُرهبهم إنما ليحذرهم ، لئلا يقع منهم الكفر الذي يُوقِفهم هذا الموقف ، كما تُبشِّع لولدك عاقبة الإهمال ، وتُحذِّره من الرسوب لينفر من أسبابه ، ويبحث عن أسباب النجاح .
يقول تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ ...} [القصص: 62] وقد ناداهم في الدنيا: يا أيها الناس ، يا بني آدم فصمُّوا آذانهم ، وأعرضوا عن نداء الله ، واليوم يناديهم نداءً لا يملكون أنْ يصمُّوا آذانهم عنه ؛ لأنه {لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار} [غافر: 16] فكأن الحق يُذكِّرهم بهذا اليوم ، لعلهم يرعوون ، ولعلهم يرجعون .
الأمر الثاني: أن الآية جاءت تسلية لسيدنا رسول الله يقول له ربه: لا تيأس مما يصنعون معك ، ولا يحزنك كيدهم وعنادهم ؛ لأنني سأصنع بهم كيت وكيت . وأنت تستطيع أن تدرك سِرَّ هذا الإيعاز النفسي في نفس المضطهد وفي نفس المظلوم حين يشكو لك ولدك أن أخاه ضربه أو أهانه فتقول أنت لتُرضيه: انتظر سوف أفعل به كذا وكذا ، فترى الولد ينبهر بهذه العقوبة المسموعة ويسعد بها ، وكذلك حين يسمع رسول الله العقوبة التي تنال أعداءه على ما حدث منهم يسعد بها ، وتُسرِّي عن نفسه ما يلاقي .
ومضمون النداء {أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [القصص: 62] فلم يقُلْ شركائي ويسكت ، إنما وصفهم {الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [القصص: 62] لأنه سبحانه واحد لا شريك له ، وهؤلاء شركاء في زعمهم فقط ، والزعم كما يقولون: مطية الكذب ؛ لذلك لن يجدوا جواباً لهذا السؤال {أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [القصص: 62] .