ومعنى {هؤلاء الذين أَغْوَيْنَآ ...} [القصص: 63] أي: المشركين {أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ...} [القصص: 63] أي: لنكون سواء ، هذه عِلَّة غوايتهم ، أن يكونوا في الخُسْران سواء ، وإلا فأهل الباطل يسعون جاهدين للإيقاع بأهل الحق ليشاركوهم باطلهم ، وليكونوا أمثالهم .
وهذه المسألة تعطينا السيال النفسي لكل منحرف حين يرى ملتزماً مستقيماً ، لا يشاركه فساده وانحرافه ، فيعزّ عليه أنْ يكون في الهاوية وحده ، ولماذا يمتاز عنه الآخرون؟ واقرأ قوله تعالى: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً ...} [النساء: 89] .
ألا ترى أهل الباطل والفساد والفجور يهزءُون من أهل الحق ويسخرون منهم ، ليُزهدوهم في الخير والصلاح ، وليغروهم بما هم فيه ، حتى أصبح الإنسان الملتزم بدينه وشرع ربه لا يسلَم من ألسنتهم ، كما يقول تعالى: {إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} [المطففين: 29 - 30] .
وليت الأمر ينتهي عند الغَمْز واللمز ، إنما يتمادى هؤلاء ، فيجعلون من سخريتهم بأهل الإيمان والطاعة مادةً للمسامرة والتسلية {وَإِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمُ انقلبوا فَكِهِينَ} [المطففين: 31] يعني: فرحين مسرورين بما نالوه من أهل الطاعة ، مما يدلّ على أنهم جميعاً تُسعِدهم هذه المسألة وتُرضي شيئاً في نفوسهم المريضة الحاقدة .
لكن المؤمن من طبيعته يحب أنْ يُكرم ، وأنْ ينأى بنفسه عن مجاراة هؤلاء ، لذلك يتولَّى ربه - عز وجل - الدفاع عنه يقول له: لا تحزن فسوف نقتصُّ لك ، ونسخر منهم ، ونجعلهم أضحوكة في يوم بَاقٍ لا ينتهي فيه عذابهم: {فاليوم الذين آمَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ * عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الكفار مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [المطففين: 34 - 36] .