وهو يتعدى إلى من يحاول إثبات البراءة لأجله بحرف (إلى) الدال على الانتهاء المجازي ؛ يقال: إني أبرأ إلى الله من كذا ، أي أوجه براءتي إلى الله ، كما يتعدى إلى الشيء الذي يَصِم بحرف (من) الاتصالية التي هي للابتداء المجازي قال تعالى {فبراه الله مما قالوا} [الأحزاب: 69] .
وقد تدخل (من) على اسم ذات باعتبار مضاف مقدر نحو قوله تعالى {وقال إني بريء منكم} [الأنفال: 48] أي من كفركم.
والتقدير: من أعمالكم وشؤونكم إما من أعمال خاصة يدل عليها المقام أو من عدة أعمال.
فالمعنى هنا تحقق التبرؤ لديك والمتبرأ منه هو مضمون جملة {ما كانوا إيانا يعبدون} فهي بيان لإجمال التبرؤ.
والمقصود: أنهم يتبرؤون من أن يكونوا هم المزعوم أنهم شركاء وإنما قصارى أمرهم أنهم مضلون وكان هذا المقصد إلجاء من الله إياهم ليعلنوا تنصلهم من ادعاء أنهم شركاء على رؤوس الملأ ، أو حملهم على ذلك ما يشاهدون من فظاعة عذاب كل من ادعى المشركون له الإلهية باطلاً لما سمعوا قوله تعالى {إنكم وما تعبدون عن دون الله حصب جهنم} [الأنبياء: 98] .
هذا ما انطوت عليه هذه الآية من المعاني.
وتقديم {إيانا} على {يعبدون} دون أن يقال يعبدوننا للاهتمام بهذا التبرؤ مع الرعاية على الفاصلة.
وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (64)
هذا موجه إلى جميع الذين نودوا بقوله {أين شركائي الذين كنتم تزعمون} [القصص: 62] فإن ذلك النداء كان توبيخاً لهم على اتخاذهم آلهة شركاء لله تعالى.
فلما شعروا بالمقصد من ندائهم وتصدى كبراؤهم للاعتذار عن اتخاذهم أتبع ذلك بهذا القول.
وأسند فعل القول إلى المجهول لأن الفاعل معلوم مما تقدم ، أي وقال الله.
والأمر مستعمل في الإطماع لتعقب الإطماع باليأس.