وقد مثَّلنْا لمسألة اتساع رقعة البَحْر بكوب الماء إذا أرقْتَه على الأرض ، فإنه يجفُّ في عدة دقائق ، أمّا لو تركت الماء في الكوب لعدة أيام ، فإنه لا ينقص منه إلا القليل .
ومن الماء العَذْب ما سلكه الله تعالى ينابيع في الأرض ليخرجه الإنسان إذا أعوزه الماء على السطح ، أو سلكه ينابيع في الأرض بمعنى أن يسير العَذْب بجوار المالح ، لا يختلط أحدهما بالآخر مع ما عُرِف عن الماء من خاصية الاستطراق .
وهذه من عجائب قدرة الله الخالق ، فمِنْ قَعْر البحر المالح تخرج عيون الماء العَذْب ؛ لأن لكل منهما طريقاً ومسلكاً وشعيرات يسير فيها بحيث لا يبغي أحدهما على الآخر ، كما قال تعالى:
{مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} [الرحمن: 1920] .
وكما أن الماء العَذْب يتسرب إلى باطن الأرض ليكوِّن الآبار والعيون ، فكذلك الماء المالح يتسرب في باطن الأرض ليكوِّن من تفاعلاته الأحجار الكريمة ، كالمرمر ، والمعادن كالحديد والمنجنيز والجرانيت . . الخ .
وبعد أن ذكر لنا هذه الآيات الخاصة بالأرض جاء بهذا الاستفهام
{أإله مَّعَ الله} [النمل: 60] يعني خلق هذه الأشياء {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [النمل: 61] والذين لا يعلمون أعلمناهم ، وقطعنا حُجَّتهم بعدم العلم .
ولو نظرنا إلى الأرض لوجدنا فيها آيات أخرى غير أنها مُستقرٌّ وسَكَنٌ ، فالأرض كثيفة ، وفيها غبرة ليست صافية البياض ؛ ذلك لأن الله تعالى يريد لها أنْ تستقبل حرارة الشمس وضوءها ليستفيد منها النبات ، ولو أن الأرض كانت شفافة تعكس الضوء والحرارة لما استفاد منها النبات ؛ لذلك نجد بعض المشروعات تنمو في الصيف ، وأخرى في الشتاء .