وفي ذلك ما لا يخفى من تسفيه آرائهم، وتقبيح معتقداتهم وإلزامهم الحجة، إذ من البيّن أنه ليس فيما أشركوه به سبحانه شائبة خير حتى يوازن بينها وبين ما هو محض الخير، فهو من وادي ما حكاه سيبويه، تقول العرب:"السعادة أحب إليك أم الشقاء"، وكما قال حسان يهجو أبا سفيان بن حرب، ويمدح النبي - صلى الله عليه وسلم -:
أتَهْجُوْهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ
{بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66) }
قال الزمخشري:
فإن قلت: هذه الإضرابات الثلاث ما معناها؟
قلت: ما هي إلا تنزيل لأحوالهم، وصفهم أولًا بأنهم لا يشعرون وقت البعث، ثم بأنهم لا يعلمون أن القيامة كائنة، ثم بأنهم يتحنبطون في شك ومرية، فلا يزيلونه، والإزالة مستطاعة، وقد جعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأه فلذلك عدَّاه بمن دون عن؛ لأن العاقبة والجزاء هو الذي جعلهم كالبهائم لا يتدبرون ولا يبصرون، انتهى.
فائدة: قال سهل بن عبد الله التستري رحمه الله: ما عصى الله أحد بمعصية أشد من الجهل، قيل: يا أبا محمد هل تعرفُ شيئًا أشد من الجهل؟
قال: نعم الجهل بالجهل، فالجهل جهلان: جهل بسيط، هو سلب العلم، وجهل مركب هو خلافه، والأول ضعيف، والثاني قوي لا يزول إلا أن يتداركه الله تعالى. قيل:
سَقَامُ الْحِرْصِ لَيْسَ لَهُ شِفَاءٌ ... وَدَاءُ الْجَهْل لَيْسَ لَهُ طَبِيْبُ
وقيل أيضًا:
وَفِي الْجَهْلِ قَبْلَ الْمَوْتِ مَوْتٌ لأهْلِهِ ... وَأجْسَامُهُمْ قَبْلَ الْقُبُوْرِ قُبُوْرُ
وإنَّ أمْرَأً لَمْ يَحْيَ بِالْعِلْمِ مَيِّتٌ ... وَلَيْسَ لَهُ حِيْنَ النُّشُوْرِ نُشُوْرُ
{لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68) }
فإن قيل: لِمَ قدم في هذه الآية {هَذَا} على {نَحْنُ وَآبَاؤُنَا} ، وفي سورة المؤمنون قدم {نَحْنُ وَآبَاؤُنَا} على {هَذَا} ؟
أجيب: بأن التقديم دليل على أن المقدم في كل موضع هو المعني بالذكر، وأن الكلام إنما سيق لأجله، ففي هذه الآية دليل على أن إيعاد البعث والإخراج هو الذي قُصد بالكلام، وفي آية المؤمنون دليل على أن إيعاد المبعوث بذلك الصدد، انتهى.
{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) }